في عام 1964 قام الأديب والرسام جبرا ابراهيم
جبرا ، باعداد يوميات الفنان جواد سليم ، ونشرها في مجلة "حوار"
اللبنانية العدد الثامن السنة الثانية ، كانون الثاني ــ شباط
1964 . وفي هذة اليوميات وردت لأول مرة معلومات عن فنانين
بولنديين تواجدوا في العراق أثناء الحرب العالمية الثانية ، وعن
دورهم في تطوير مفاهيم وتجارب عدد من الرساميين العراقيين الشبان
في تلك الفترة .
وفي اعوام السبعينات وفي ظل الأهتمام المتزايد بالظواهر الثقافية
والفنية الحديثة التي شهدها العراق في فترات الأربعينات
والخمسينات ، كان للموضوع البولندي مكانه في مذكرات وأحاديث عدد
من الفنانين والشعراء الذين عاشوا أحداث تلك الأيام ، وقد نشرت
هذة المذكرات والأحاديث في الصحف والمجلات العراقية وكذلك أشار
الى هذا الموضوع بعض الكتاب والنقاد في مؤلفاتهم عن الفن الحديث
في العراق . وبالرغم من أن عددا من هؤلاء حاول إلغاء أو التقليل
من أهمية الدور البولندي في حركة الفن العراقي ، إلا أن الرأي
الذي كان سائدا في أوساط المثقفين والفنانين ، هو ذلك الرأي الذي
يعتبر وجود البولنديين في بغداد أثناء الحرب العالمية الثانية ،
كان من أهم المؤشرات على بداية المرحلة الجديدة في تاريخ الفن
العراقي الحديث .
ما
حكاية هؤلاء البولنديين ...؟ وما أبعاد دورهم في مسيرة الفن
الحديث في العراق ...؟
للأجابة على هذا السؤال لا بد من إلقاء الضوء على تفاصيل هذا
الموضوع ومتابعة جوانبه المختلفة ، من خلال الإعتماد على الوثائق
البولندية ، وعلى مذكرات وأحاديث أولئك الفنانين والشعراء الذين
شهدوا أحداث تلك الفترة من الأربعينات أو الذين كانوا على إتصال
دائم بالبولنديين . ولا بد من الإشارة هنا بأن هذه الوثائق
البولندية كانت بعيدة عن متناول الكتاب الذين درسوا الفن الحديث
في العراق .
البولنديون في العراق : 1942 ــ 1943
تذكر بعض مصادر الفن الحديث في العراق ، بأن البولنديين وصلوا
الى العراق كالاجئين بعد إحتلال بلادهم من قبل الروس والألمان ،
أو أنهم وصلوا الى العراق كأسرى حرب جاء بهم الإنكليز الى
معسكرات الإعتقال في بعض المدن العراقية .
إن مثل هذة المعلومات غير صحيحة وبعيدة عن الواقع التاريخي ،
والحقيقة هي أن وصول البولنديين ـ ومن ضمنهم الفنانين ـ الى
العراق أرتبط بالإحتلال البريطاني المباشر للعراق والذي تم في
بدايات حزيران عام 1941 ، وحاجة بريطانيا في تلك الفترة الى قوات
عسكرية جديدة تقوم بحماية المراكز النفطية والسيطرة على طرق
المواصلات التي تربط العراق بتركيا وإيران ، ولا سيما أن الفترة
الواقعة مابين عامي 1941 ـ 1942 كانت بالنسبة لبريطانيا العظمى
ــ باعتبارها من دول الحلفاء ــ فترة صعبة جدا ، إذ أن قواتها
العسكرية كانت مشتركة في معارك وعمليات حربية كثيرة، وفي مناطق
عديدة من الشرق الأوسط . وتجدر الإشارة هنا الى أن هذا الأمر قد
تم وفقا للمعاهدات السياسية والأ تفاقات العسكرية لدول " معسكر
الحلفاء " والتي أدت آنذاك الى نشر القوات البولندية ، ليس في
العراق وحده ، وإنما في عدد من الأقطار العربية ، وكذلك في إيران
.
لقد وصلت القوات العسكرية البولندية ومعها عدد كبير من المدنيين
الى العراق من مدينة بهلوي الإيرانية الواقعة على بحر قزوين ــ
ومن فلسطين خلال الفترة الواقعة ما بين بداية آب ونهاية أيلول من
عام 1942 وقد انضمت هذه القوات الى الوحدات العسكرية البريطانية
التي كانت تحت قيادة الجنرال متلا ند ولسن " M . Wilson " وكان
مقرها العام في بغداد .
في
مطلع تشرين الأول عام 1942 ، أصدر الجنرال البولندي فوادسواف
شيكورسكي " W . Sikorski " .
رئيس حكومة بولندا في المنفى والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك
ـ قرارا عسكريا تم بموجبه تشكيل الجيش البولندي في الشرق ( A . P
. W ) الذي ضم كافة الوحدات العسكرية البولندية والتي كانت
منمتشرة في بعض بلدان الشرق الأوسط ، وخاصة في إيران وفلسطين
ومصر . وقد اتخذ هذا الجيش من العراق مقرا عاما له ، وفي
الثلاثين من تشرين الأول وصل الجنرال فوادسوف أندرس " W. Anders
" الى بغداد من طهران كقائد عسكري عام للجيش البولندي في الشرق .
وبدأ التفاوض مع الإنكليز حول كيفية توزيع ومرابطة القوات
البولندية في الأراضي العراقية .
لقد انتشرت وحدات الجيش البولندي في مناطق عديدة من العراق ففي
شمال شرق بغداد ـ في منطقة قزل رباط تمركزت بعض وحدات المدرعات
والمشاة ومدرسة الإعداد الحربي ، إضافة الى مقر قيادة وأركان حرب
الجيش البولندي . وفي أطراف مدينة خانقين وبالقرب من الحدود
العراقية ـ الإيرانية تمركزت وحدات عسكرية أخرى ، مثل :فرق
المدفعية، وكتائب المجندات ، والمستشفى العسكري ، إضافة الى عدد
من وحدات المشاة ، وفي الحبانية حيث توجد القاعدة العسكرية
والجوية البريطانية رابطت قوات بولندية جنبا الى جنب مع القوات
البريطانية، وما عد هذا فقد انتشرت وحدات بولندية أخرى في مدن
شمال العراق ، كا الموصل وكركوك، حيث توجد المناطق النفطية
والمراكز الإستراجية المهمة، وفي جنوب العراق كانت هناك وحدات
للتموين العسكري رابطت الى جانب القوات البريطانية في مدينة
البصرة ، وكانت مهمة القوات العسكرية البولندية في العراق هي
حماية أنابيب وآبار النفط وخط سكك الحديد ، طرق المواصلات البرية
التي تربط العراق بإ يران وتركيا ، والدفاع عن هذة المراكز في
حال تعرضها لهجوم من قبل القوات الألمانية.
وحسب المصادر البولندية فإن عدد نفوس البولنديين الذين تواجدوا
في العراق كان حوالي 70 ألف نسمة ، كان من بينهم 50 ألف جندي
وعسكري أما البقية فقد كانوا من المدنيين ، ومن فرق الشبيبة
والفتوة العسكرية التي لا تزيد أعمارهم عن السابعة عشرة ، وقد
سكن هؤلاء في معسكرات تابعة للجيش البولندي في ضواحي شمال شرق
بغداد ، وفي منطقة خانقين ، وكان الجيش البولندي يحصل أثناء
وجوده في العراق على مساعدات مالية من قبل الحكومة العراقية، وقد
أقام البولنديون في العراق حتى نهاية آب من عام 1943 . حيث صدرت
لهم الأوامر البريطانية بمغادرة العراق والتوجه نحو فلسطين ومصر
.
لقد قام البولنديون أثناء وجودهم في العراق بتأسيس عدد من
الجمعيات والهيئات التربوية والدينية والسياسية وكان
بعضها
موجودا في مقرات الوحدات العسكرية وفي معسكرات الأهالي ، وكان
البعض الآخر موجود في بغداد مثل : الهيئة الدبلوماسية لحكومة
بولندا في المنفى ـ المفوضية البولندية ـ والصليب الأحمرالبولندي
، ومكتب الإعلام والثقافة للجيش البولندي في الشرق ، الذي كان
مقره يقع في شارع الرشيد بالقرب من المقهى البرازيلية ، هذه
المقهى التي شهدت بدايات تعارف ولقاءات الفنانين العراقيين
بزملائهم البولنديين . وفي شارع الرشيد أيضا كان هناك المطعم
البولندي polska الذي كان بمثابة " كاليري فني " حيث زينت جدرانه
بعدد من اللوحات والملصقات الفنية ، ومن بين هذة الملصقات كان
هناك ملصق دعائي ، احتل واجهة المطعم وكان من تنفيذ الفنان جواد
سليم ، وربما يكون هذا الملصق الذي طبع بالألوان أقدم ملصق ملون
من تصميم فنان عراقي . والى جانب هذا فإن البولنديين كانوا
يصدرون في بغداد ثلاث جرائـد باللغة البولندية وهـــــــــى :
( الأخبار البولندية ) ، جريدة يومية ولسان حال البولنديين في
الشرق ، و (النسر الأبيض) ، جريدة ثقافية عامة كانت تصدر مرة
واحدة في الأسبوع ، والصحيفة الدينية ( الاسم المقدس) ، وهي
جريدة نصف شهرية ، وكانت هذة الصحف تطبع في بغداد وتوزع في انحاء
الشرق الأوسط ، كما كان للبولنديين في بغداد فرقة للغناء
والموسيقى الشعبية وفرقة مسرحية باسم ( المسرح البولندي الجوال )
.
وفي صفوف الجيش البولندي كان هناك عدد كبير من الفنانين
المسرحيين والتشكليين والكتاب والأدباء ، وكان البعض منهم من
الأسماء البارزة والمعروفة في بولندا خلال الأعوام التي سبقت
الحرب العالمية الثانية . وقد بلغ عدد الفنانين التشكيليين فقط
حوالي ثلاثين فنانا وفنانة ، ولكن أكثر هؤلاء شهرة في بغداد
آنذاك كان كل من يوسف جابسكي " J . Czapski " يوسف ياريما " J .
Jarema " إدوارد ماتوشجاك" E.Matuszczak " زيكمونت هار " Z . Har
" لوبود هار " L . Haar " فليكس توبولسكي " F . Topolski "
فلاستميل هوفمان " V . Hofman " زيكمونت توركفيش " Z .
Turkiewicz " يانينا بوغوتسكا" j . Bogucka " كوررديان زاموسكي "
K . Zamorski " وهنريك شيدلانوفسكي " H . Siedlanowski " وقد
جاءت شهرة هؤلاء الفنانين بسبب نشاطاتهم الفنية ، وعملهم
بالصحافة البولندية والإنكليزية الصادرة في بغداد آنذاك ،
وتواجدهم اليومي في المقهى البرازيلية ، كما كان لعدد منهم (
مراسم فنية ) في محلة النصارى في الجهة المطلة على شارع الرشيد .
ولهذا احتفظت ذاكرة بعض المثقفين والفنانين العراقيين بعدد من
اسماء هؤلاء البولنديين ، في حين احتفظت ذاكرة البعض الآخر
بأسماء أخرى، ولكن هذة الذاكرة لم تنشر زادها في الصحف العراقية
، إلا بعد ثلاثة عقود على إنتتهاء الحرب العالمية الثانية ، فكان
هذا الزاد أو تلك الأحداث المنشورة هي ما تبقى عالقا في أطراف
الذاكرة وليس من أعماقها ، ولهذا ظل العراقيون يرددون في
كتاباتهم أسماء ثلاثة أو أربعة من أولئك الفنانيين البولنديين ــ
كما سنرى لاحقا ـــ طبعا لا بد هنا أن يتم استثناء الفنان جواد
سليم ، فهذا الفنان دون يومياته خلال الأربعينات . وفي هذة
اليوميات ، هناك الكثير من تفاصيل لقاءاته
اليومية
بالفنانين البولنديين ، ولكن الاسم الوحيد الذي يتردد في هذة
اليوميات هو اسم الفنان يوسف جابسكي ، ويبدو أن السبب في ذلك
يعود الى عظمة هذا الفنان بالنسبة لجواد سليم ـ كما سنرى في ما
بعد ـ وفي حقيقة الأمر إن يوسف جابسكي الذي شغل منصب المدير
العام لمكتب الإعلام والثقافة للجيش البولندي حينذاك ، لم يكن
مجرد رسام ، وإنما كان ناقدا فنيا وكاتبا معروفا قبل وصوله الى
بغداد ، وهو أحد رواد التيار اللوني في فن التصوير البولندي
الحديث وهذا التيار كان من ابرز الاتجاهات الفنية في بولندا خلال
فترة ما بين الحربين .
إن الصحف البولندية الصادرة في بغداد خلال عام واحد ـ وهي الفترة
التي تواجد فيها البولنديون في العراق تحتوي على الكثير من
التقارير الصحافية و المقالات التي تبين مدى مساهمة البولنديين
في إنعاش وتنشيط الحياة الثقافية والفنية في بغداد آنذاك حيث
كانت هناك العروض المسرحية ، والحفلات الفنية ، ومعارض الرسم
والملصقات السياسية ، ومعارض الفن الشعبي البولندي ، وكانت تلك
النشاطات تقام في قاعة الملك فيصل ، في قاعة المعهد البريطاني ،
وفي المقهى البرازيلية . والى جانب هذا فإن عددا من الفنانيين
البولنديين اعتادوا على المساهمة الدائمة في معارض جمعية أصدقاء
الفن العراقية ، ومن هذة المعارض المشتركة ـ على سبيل المثال ـ
المعرض السنوي الثالث لجمعية أصدقاء الفن الذى أقيم على قاعة
المعهد البريطاني في يوم 28 كانون الثاني من عام 1943 ، ورافق
افتتاح هذا المعرض عقد لقاءات وأمسيات ثقافية في مقر جمعية
أصدقاء الفن شارك فيها الفنانون العراقيون وعدد من الفنانين
البولنديين ، وكان للصحف البولندية نصيبها في تغطية هذة النشاطات
. ففي يوم 17 شباط كتب الفنان يوسف جابسكي مقالا في جريدة
الأخبار البولندية تحت عنوان منابع الفن الحديث . تحدث فيه عن
إبدعات الفنانيين العراقيين المعروضة في معرض الجمعية ، وأستعرض
فيه التراث الحضاري والفني في العراق القديم ، وكيف يستطيع
الفنان العراقي المعاصر أن يستفيد من تلك الانجازات الفنية في
حضارات سومر وبابل ، لغرض بناء شخصيته وأساليبه الفنية الحديثة
..
إما بالنسبة لمعارض الفن البولندي التي أقيمت في بغداد في تلك
الفترة ، فإن أهمها ــ كما يبدو لي ــ هو ذاك المعرض الشامل الذي
أشرف على إقامته ( مكتب الإعلام والثقافة للجيش البولندي في
الشرق ) ، وكان تحت عنوان ( معرض التشكيليين البولنديين ــ
الجنود ) وقد افتتح المعرض يوم 15 شباط عام 1943 على قاعة
المعهدالبريطاني في بغداد، وقد حضر حفل الإفتتاح بعض رجالات
الدولة العراقية آنذاك ، مثل الوصي على عرش العراق الأمير عبد
الإله ، ورئيس الوزراء نوري السعيد ، ووزير الداخلية تحسين
العسكري ، وحضر عدد من اعضاء السلك الدبلوماسي والعسكري والثقافي
البولندي والبريطاني ، وكان من بينهم الجنرال فوادسواف أندرس
القائد العسكري العام للجيش البولندي، وهنري مالهوم ,, H .
Malhomme ,, ممثل حكومة بولندا في العراق ، كما حضر أيضا العديد
من المثقفين والفنانين
العراقيين
والبولنديين ، وفي هذا الحفل ألقى الفنان جواد سليم كلمة
الفنانين العراقيين أشار فيها الى تراث بولندا الثقافي والفني ،
والى أهمية البولنديين في الحياة الفنية في بغداد ، ودعا زملائه
من الفنانين العراقيين الى السير على طريق الفنانيين البولنديين
والإستفادة من تجاربهم الثقافية والفنية . وعن الفنانيين
البولنديين ألقى يوسف جابسكي كلمة تحدث فيها عن حياتهم اليومية
ولقاءاتهم بالفنانين العراقيين الشباب ، وعن معالم بغداد
الحضارية التي تشكل عالما غنيا بعناصره الجمالية والتشكيلية ،
ودعا الفنانين البولنديين والعراقيين الى استلهام تلك المعالم في
أعمالهم الفنية ، وقد احتوى هذا المعرض على ( 125 ) عملا فنيا
موزعة ما بين رسوم مائية ولوحات زيتية وتخطيطات، وكانت أغلب
موضوعات هذة الأعمال مستمدة من مشاهد الطبيعة ومشاهد الحياة
اليومية في العراق وفي بعض بلدان الشرق الأوسط، وعلى الرغم من
كثرة الأعمال الفنية في هذا المعرض إلا أن ما أثار اهتمام الزوار
الأجانب والعراقيين هو لوحة واحدة كانت بعنوان ( أم الفنان فائق
حسن ) للرسام إدوارد ماتو شجاك ، ولهذه اللوحة حكاية طريفة ـــ :
في شتاء عام 1942 ، أقنع الفنان فائق حسن والدته أن تجلس كموديل
بملابسها العراقية أمامه وأمام زميله البولندي ماتوشجاك، وبعد
ساعات من السكون والعمل المتواصل ، أنجز كل منهما لوحته ، وقبل
أن تشاهد الوالدة نفسها على قماش اللوحتين، طلبت من إبنها أن
يحتفظ بهاتين اللوحتين بعيدا عن عيون الناس ، ولكن الرسام
ماتوشجاك أقنعها بإن تلقي نظرة على لوحته وعندما شاهدت نفسها ،
صرخت بوجه هذا الرسام بأن لوحته ما هي إلا ( خرابيط ) وبقع شبيهة
بالذباب وبهذا إستطاع هذا الرسام إخراج لوحته من بيت فائق حسن ،
وكان ماتوشجاك قد رسم لوحته بأسلوبه الانطباعي التنقيطي، وبعد أن
عرضت هذة اللوحة في بغداد ، تنقلت مع الفنان بعد الحرب العالمية
الثانية ما بين فلسطين ومصر، وضاعت آثارها بعد أن أقام بشكل دائم
في باريس عام 1952 ، ومن حسن الحظ أن صورة هذه اللوحة موجودة في
دليل (معرض التشكيليين البولنديين ــ الجنود) وهذا الدليل محفوظ
الآن في معهد تاريخ الفن ــ أكاديمية العلوم البولندية، ضمن
وثائق الفن البولندي العائدة الى فترة الحرب العالمية الثانية .
وفي حالة الحديث عن أهمية هذا المعرض البولندي ، لا بد من القول
بأنه كان من أبرز الأحداث الثقافية الفنية التي شهدتها بغداد
خلال فترة الأربعينات ، فكان هو أول معرض بهذا المستوى للفن
الأوروبي يقام في العراق كما أن الإنطباعية وما بعد الإنطباعية
هي الأساليب التي كانت مثار اهتمام الفنانين العراقييين طوال
فترة الأربعينات، وكان البعض منهم يرى بأن إتقان هذة الأساليب
الفنية هو بمثابة هوية مرور نحو عالم الفن الأوروبي وتياراته
المختلفة ..
الفنانون البولنديون..
نقطة تحول في تاريخ الفن العراقــي الحديث.
بعد تعرفه على الفنانيين البولنديين في العام 1942 كتب الفنان
جواد سليم ، قائلا : إني أشكر الأقدار لتوصلي الى معرفتي الجديدة
، وسأبدأ منها مفتوح العينين ومفتوح الفؤاد لأن طريقي منير ....
جاءت هذه الكلمات بعد عامين من حالات اليأس والركود الفني التي
عانى منها هذا الفنان وعدد من زملائه الفنانيين الذين عادوا الى
بغداد ، دون إكمال دراستهم الفنية في أوروبا ، بسبب اندلاع الحرب
العالمية الثانية وفي بغداد اشتغل
بعضهم
بالتدريس ، وعمل آخرون في مديرية الآثار ، وفي أعمال أخرى ريثما
تنتهي هذة الحرب " اللعينة " وبعد احتلال الإنكليز للعراق عام
1941 ، شهدت بغداد أشياء كثيرة جديدة وغريبة ، لم يسبق لها مثيل
من قبل تحدث عنها الشاعر عبد الوهاب البياتي قائلا : ,, لقد سيطر
الإنكليز على كل شيء في البلاد حتى صار منظرهم ومنظر الجنود
البولنديين والهنود مألوفا في الشوارع والمقاهي والمحلات العامة
وأذكر جيدا أننا لم نكن نجد صعوبة كبيرة في التمييز بين الجندي
الإنكليزي والجندي البولندي مع أن اشكالهم لم تكن تختلف بالمرة
فالجندي الإنكليزي متجهم الوجه ، ثابت الخطى لا يحاول أن يختلط
مع الناس أو يقترب منهم وكان كل واحد منهم يتقن تمثيل دور المحتل
القوي ، أما الجنود البولنديين فقد كانو ا مرحيين طيبين على غاية
من الأدب والدماثة وكانوا يجلسون في المقاهي ويقفون أمام البيوت
القديمة وكأنهم فنانون كبار ، وفعلا كان فيهم فنانون كبار استفاد
منهم فنانونا الشباب .. ,, في ظل هذة الأجواء الجديدة تعرف جواد
سليم وزملائه على عدد من الفنانيين البولنديين ، " وارتبط هؤلاء
مع بعضهم بميل فطري واحد هو إنساني محض، حب الحياة ، والكفاح في
سبيل النظام الطبيعي ، حب الحياة والأشياء البسيطة التي تنسينا
الموت ..." ــ هذا ما قاله جواد سليم في يومياته ـ وقد حاول
هؤلاء أن يخلقوا في بغداد ، أجواء شبيهة بأجواء باريس الفنية ،
فكانوا يجتمعون في كل مساء في المقهى البرازيلية ، لأحتساء
القهوة الفرنسية ، مع جدالهم الطويل ، حول كل شيء وكانوا آخر من
يترك المقهى، ويرى الفنان والأديب جبرا ابراهيم جبرا ، بإن هذة
اللقاءات كانت بداية المرحلة المهمة الأولى في حركة الفن العراقي
المعاصر ، حيث مهدت الطريق أمام الفنانيين العراقيين للتعرف على
أسرار الفن الأوروبي الحديث .
كيف حدث هذا ؟ وما طبيعة الدور الذي لعبه البولنديين في ثقافة
الفنانيين العراقيين ، وفي تجاربهم الفنية ...؟
في مذكرات وأحاديث الفنانيين العراقيين الذين عاشوا أحداث تلك
الفترة أو الذين كانوا على اتصال دائم بالفنانيين البولنديين ،
هناك الكثير من التفاصيل والحكايات التي تجيب عن هذة التساؤلات .
في يومياته يصف الفنان جواد سليم التحول الذي حدث في حياته
الفنية بعد تعرفه على الفنانيين البولنديين قائلا: إن هؤلاء
الأجانب كانوا ذوي أثر على فنانينا .. كانوا ذوي أفكار جديدة ،
ومن الذين يمزجون في نتاجهم الفني عصارة تأملاتهم ودراساتهم
بدنيا إحساسهم وخيالهم .. لقد تعرفت من البولنديين أشياء كثيرة
سيكون لها تأثير عظيم جدا في مجرى حياتي .. إن بعض كلمات الرسام
الكبير جابسكي ستبقى في رأسي طوال حياتي ، سألنا ذات مرة : هل
تحبون بلادكم ......؟ فأجابه أحد الفنانين على الفور: لا ....
فقال جابسكي : إنك غلطان ، إن الإنسان لا يبدع في رسم شيء لا
يحبه ، وإنكم لن تكونوا شيئا إذا لم يكن في قلوبكم الحب الصادق
العميق للبلد الذي أعاشتكم تربته ، خذوا مثلا الرسامين الفرنسيين
، فقد استفادوا كثيرا من الشرق من ألوانه ومن مواضيعه ... ومن
اقوال جابسكي : يجب ان تستغلوا عدم مجيء الرسامين الأوروبيين
العظماء الى بلادكم، لأنها غنية بالألوان والصور وغنية بالمواضيع
التي تساعدكم على تطوير أنفسكم ...
وفي
مكان آخر من يومياته يكشف جواد سليم عن تلك التأثيرات الثقافية
والفنية البولندية على النحو التالي: " عندما كنت في باريس لم
أعط اهتماما كبيرا للمدرسة الفرنسية الحديثة ( الإنطباعية وما
بعد الإنطباعية ) مع حبي الكبير لها، ورجعت الى بغداد ، وأنا لا
اعرف شيئا عن هذة المدرسة ، وبعد تعرفي على الفنانين البولنديين
، بدأت أعرف الآن من هم الإنطباعيون ، وما بعد الإنطباعيين ،
وعرفت قيمة المدرسة الفرنسية الحديثة، عرفت الآن ماهو اللون ،
وكيف تستعمل الألوان ، الآن أخذت أفهم لوحات سيزان ، ورينوار ،
وفان كوخ، ولوحات عظماء الفن الإيطالي ، ولوحات غويا، والتصوير
الشرقي ... ثم عرفت أكثر من هذا ، عرفت قداسة العمل وقيمة الوقت
... " ويضيف واصفا الفنانيين البولنديين بأنهم لم يكونوا من طلاب
( البوزار ) في باريس أو ( السليد سكول ) في لندن ، بل كانوا من
(عشاق المدرسة الفرنسية) وقد عاشوا في باريس فترة من الزمن
وتعرفوا على عظمة هذة المدرسة وأسرارها بالدرس على يد أستاذهم
صديق الرسام الفرنسي بونار ومن خلال زياراتهم للمتاحف في باريس
...."
أما الفنان فائق حسن فقد تحدث عن البولنديين قائلا : " إن هؤلاء
الرسامين نبهونا الى عادية الأساليب الواقعية والأكاديمية
فتجاوزناها وتركناها .. لقد نبهونا الى اللون وإشعاعاته ،
فالأكاديمية والواقعية لا تعتمدان على دراسة لونية خاصة ... كنا
قبل هذة الفترة نهتم بدراسة الأشكال فقط ... أما بعد تعرفنا على
الرسامين البولنديين ، فقد تحررنا من تلك القيود وانطلقنا الى
عالم الألوان اللامحدود ... " ويذكر أحد الفنانين العراقيين أن
الرسام فائق حسن عندما كان طالبا في باريس في أعوام 1935 ــ 1938
، كان يتردد على أحد المتاحف هناك ، وقد تعرف على أعمال رسام
فرنسي وأعجب بها ، ولكنه لم يهتم بمعرفة أسم هذا الرسام ولم يعرف
أن هذا الرسام هو بول سيزان ، إلا في العام 1942 وعن طريق الفنان
البولندي ماتوشاك ( إدوارد ماتوشجاك ) الذي أراه نماذج من أعمال
سيزان وحدثه عن الإنطباعية والمدارس الفنية الحديثة في فرنسا ..
ويروي
الرسام حافظ الدروبي كيف تغيرت مناهج الدراسة في معهد الفنون
الجميلة ببغداد ، بعد أن تعلم كل من فائق حسن وجواد سليم الشيء
الكثير من الفنانين البولنديين . وعلى ضوء الخبرة الجديدة التي
قدمها هؤلاء تغير كل شيء، وامتلكنا البصيرة في مجال الرسم ،
والحق يجب أن يقال ، فقد عرفنا هؤلاء على الإنطباعية الفرنسية
... وهناك حكاية طريفة يرويها الرسام اسماعيل الشيخلي الذي كان
طالبا في معهد الفنون الجميلة اثناء تواجد البولنديين في بغداد
,, كان فائق حسن أستاذنا في المعهد ، وذات يوم دخل علينا وعلى
أثر لقاءاته المتكررة بالفنانين البولنديين ، طلب منا بصورة
مفاجئة أن نمزق كل ما رسمناه خلال السنوات الماضية ، وأغابه كان
معلقا على جدران المرسم ، وقال : إن هذه اللوحات سطحية والفن
الحقيقي ليس هكذا ، وبدأ يبث فينا الأفكار الفنية الجديدة التي
كان قد تعلمها من البولنديين وقال : اتبعوا الطريقة الإنطباعية
وما بعد الإنطباعية وخاصة أسلوب التنقيطية (Pointillism ) . وبدأ
يشرح لنا الطريقة التي يجب أن نرسم بها لوحاتنا ، ومن أجل أن
يطور معارفنا فقد طلب منا أن نشاهد الرسام ماتوشاك( إدوارد
ماتوشجاك ) وهو يرسم لوحاته ... وذات يوم جاء هذا الرسام الى
المعهد ، وبدأ يرسم المقهى المجاور للمعهد وما يحيط به من مناظر
وكان لهذا المشهد تأثيرا كبيرا علينا ، إذ كنا مشدودين الى ما
يصنعه هذا الرسام ، وانتظرنا أربع ساعات حتى انجزاللوحة، وقد
تعلمنا منه الشيء الكثير ....
وحول أبرز الفنانين البولنديين الذين أثروا في حركة الفن العراقي
خلال فترة الأربعينات والذين كانوا على اتصال دائم بزملائهم
العراقيين في تلك الفترة ، يقول إسماعيل الشيخلي : هناك ثلاثة
رسامين فتحوا صفحة جديدة للفن العراقي الحديث ... هم جابسكي
(Jozef Czapski ) وياريما (Jozef jarema ) ، وماتوشاك (Edward
Matuszczak ) ، وذلك من خلال تأثيرهم على أهم الفنانين آنذاك مثل
: أكرم شكري ، وحافظ الدروبي ، وعطا صبري ، وفائق حسن وجواد سليم
وعيسى حنا . وباعتقادي أن كل واحد من هؤلاء قد استفاد من
البولنديين بشكل معين .. فإذا كان فائق حسن الذي ارتبط بعلاقات
قوية مع الرسام ماتوشاك قد استفاد من هذه العلاقات في مجال تقنية
اللوحة وفي مجال القيم اللونية والشكلية للعمل الفني ، فإن جواد
سليم الذي كان أكثر ارتباطا بالفنان جابسكي استطاع أن يفهم
ويستوعب القضايا الثقافية والفكرية التي كان يطرحها البولنديون
.. وبشكل عام استطيع ان أقول : إن الإنطباعية وما بعد الإنطباعية
التي بشر بها البولنديون آنذاك قد سادت كأساليب فنية جديدة في
أوساط غالبية الرسامين العراقيين الشباب ، هذا بالإضافة الى أن
العراقيين بعد أن تعرفوا على البولنديين ، واستمعوا الى آرائهم ،
اتجهوا جادين لدراسة الفن العالمي الحديث ، والتعرف على أعمال
عباقرة من أمثال : بيكاسو ، وسلفادور دالي ، وكاندينسكي وغيرهم ،
ورسم
بعض
فنانينا لوحات سريالية ، وقبل هذة الفترة لم نكن نعرف شيئا عن
السريالية ...
هذة بعض احاديث وذكريات الفنانين العراقيين الذين عاشوا احداث
فترة الأربعينات وتحولاتها الثقافية والفنية ولا يوجد متسع هنا
للتطرق الى ما ذكره فنانون آخرون وما دونه كتاب وشعراء حول تلك
الفترة . ويبدو أن الرأي السائد في أوساط المثقفين والفنانين
العراقيين هو الذي يقول بأهمية الدور البولندي في حركة الفن
العراقي الحديث . والسؤال الآن هو : كيف حاول الرسامون العراقيون
الاستفاد من التأثيرات الثقافية والفنية البولندية ...؟
في البداية لا بد من الأعتراف بأن الفنانين البولنديين عندما
ظهروا في بغداد كان هناك عدد من الرسامين الشباب ــ بقيادة فائق
حسن ــ قد اعتادوا على الخروج الى ضواحي بغداد لغرض الرسم مباشرة
على الطبيعة وقد أطلق هؤلاء على أنفسهم ( البدائيون ) وكان هدفهم
هو النقل الفوتوغرافي أو الحرفي للطبيعة ، وليس البحث عن أثر
الزمن على الطبيعة كما فعل الانطباعيون الفرنسيون . ولكن بعد
تعرف فائق حسن على البولنديين ، وقيامهم برحلات مشتركة لغرض
الرسم ، ليس في ضواحي بغداد فحسب وإنما في شوارعها وفي أحيائها
القديمة ، بدأت هناك تحولات في صفوف الرسامين الشباب ، حيث بدأوا
في تقليد البولنديين وأساليبهم الفنية ، وزاد الاهتمام بظاهرة
الخروج الى الطبيعة ضمن مفاهيم جديدة هي أهمية اكتشاف القيم
اللونية والجمالية في البيئة العراقية ، والتعامل مع اللوحة
الفنية بتقنية وروحية جديدة، اتسمت بنوع من المغامرة والتجريب .
ويصف أحد طلبة معهد الفنون الجميلة في بغداد كيف تغيرت إرشادات
فائق حسن لهم بعدما زامل الرسامين البولنديين ، فقد راح يدعو
طلبته الى أهمية الرسم على الطبيعة مباشرة ، بعد أن كان واجبهم
اليومي هو الجلوس ساعات طويلة أمام الموديل داخل مرسم المعهد ،
أو الأنشغال برسم الأشجار والزهور داخل حديقة هذا المعهد .
والملاحظ أن كافة الرسامين العراقيين تقريبا حاولوا تقليد
البولنديين والأستفادة من تأثيراتهم الفنية ، ففي الأعمال الفنية
العائدة للفترة ما بين عام 1942 ونهاية الأربعينات هناك الكثير
من المؤشرات التي تدلك على ذلك ، حيث يمكن ملاحظة شيوع موضوعات
محددة مثل المناظر الطبيعية ، والطبيعة الصامتة ، وصور الأشخاص ،
وكل هذة كانت مرسومة تحت التأثيرات الانطباعية وما بعد
الأنطباعية ، وتعدى الأمر الى أن بعض الرسامين العراقيين قد اهتم
بتصوير مشاهد الحياة اليومية للبولنديين في بغداد وأطرافها ،
وهذا ما كان واضحا في معرض جمعية أصدقاء الفن عام 1943، حيث عرض
كل من جواد سليم وفائق حسن عددا من اللوحات مثل ( فتاة بولندية )
و ( معسكر بولندي ) و ( كافيه سويس ) وغيرها . وكذلك يمكن ملاحظة
عمق التأثيرات البولندية من خلال تعامل الرسامين العراقيين مع
اللوحة الزيتية وتقنيتها ، حيث حاول هؤلاء التخلص من قوانين
المنظور الجوي ومن اللون والخط الأسود ومن الظلال وركزوا
اهتمامهم على الألوان الصافية والنقية الدافئة والمشعة المضيئة ،
ولكن هذه المحاولات الفنية لم تتمكن من استيعاب المفاهيم
الانطباعية وما بعد الانطباعية بشكل واضح ودقيق ، ولهذا فإن
نتاجات
هؤلاء
الرسامين ظلت بعيدة عن عالم المدرسة الفنية الحديثة أو تقاليد
الانطباعيين الفرنسيين ، وربما يعود ذلك الى أن هؤلاء عندما
تأثروا بالبولنديين ــ الذين هم بدورهم تأثروا بالانطباعية وما
بعد الانطباعية الفرنسية ــ لم يدركوا الى حد كبير أبعاد هذة
المدرسة وتقاليدها الفنية، وإنما فهموها على أساس أنها رؤية
متطورة للشكل تتجاوز حدود الواقع المرئي ، وحدود القانون
المنظوري والتلوين وطريقته التي فرضتها التقاليد الأكاديمية ،
وبدون شك ، فإن الانطباعية وما بعد الانطباعية عندما انتشرت في
صفوف الرسامين العراقيين خلال فترة الأربعينات قد رافقها وعي
ثقافي جديد أساسه هو الإهتمام بتصوير الطبيعة بشكل مباشر، وتحوير
وتجاوز الواقع المرئي والإهتمام بالألوان المشعة المضيئة ، ولكن
هذا كله لم يؤد الى ظهور نتاجات فنية يمكن القول عنها بأنها تشكل
اتجاها او تيارا واضح المعالم في فن الرسم العراقي الحديث ، ولكن
وبدون شك فإن تلك النتاجات كانت عبارة عن محاولات تجريبية جادة ،
هدفها هو حرص الرسامين العراقيين على ضرورة تطوير الفن العراقي
من خلال الارتباط بالتيارات الفنية الحديثة في أوروبا .
ومن جانب آخر فإن التأثيرات البولندية ــ كما يبدو لنا ــ كانت
بالنسبة لعدد من الفنانين العراقيين بمثابة البوابة الواسعة التي
دخلوا من خلالها الى عالم التيارات الفنية المختلفة ، كالتعبيرية
، والوحشية ، والسريالية ، والتجريدية ، ولهذا كان هناك بعض
الرسامين خلال فترة الأربعينات يرسم متأثرا بالانطباعية وما بعد
الانطباعية تارة ، ويرسم متأثرا بتيارات فنية أخرى تارة ثانية ،
في حين كان هناك عدد آخر من الرسامين يحاول أن يطور تجاربه
الفنية تحت تأثيرات الانطباعية وما بعد الانطباعية فقط ، ومن
خلال إستخدام تقنيات فنية مختلفة ، خاصة الطريقة التنقيطية ،
وهذا ما كان واضحا لدى الرسام ــ أكرم شكري ــ على سبيل المثال
وفي الواقع فإن أكثر من استفاد من الرسامين البولنديين هو فائق
حسن، و لاسيما في مجال أهمية الألوان ودورها في بناء العمل الفني
، بحيث أن هذا الرسام كان طوال حياته يركز على أهمية تطوير
تجاربه اللونية رغم رغم تحولاته الكثيرة بين أساليب فنية متعددة
. وبشكل عام يمكن القول بأن الانطباعية وما بعد الانطباعية التي
نشرها البولنديون في فترة الأربعينات ، لم تؤد الى ظهور رسامين
انطباعيين بارزين في العراق، ولم تشهد المراحل التي اعقبت تلك
الفترة وجود أتباع لهذة المدرسة الفنية ، وربما الرسام الوحيد
الذي ظل محافظا على تلك التقاليد الانطباعية هو الرسام ــ خالد
القصاب ــ أحد طلبة فائق حسن في الأربعينات ــ حيث كان طوال
حياته مهتما بتصوير مشاهد الطبيعة العراقية وبنوع من الألوان
والأحاسيس الانطباعية . وتجدر الإشارة هنا الى أن الرسام حافظ
الدروبي قد أسس في عام 1953 جماعة فنية هي ( الانطباعيون
العراقيون ) ولكن لم يكن لهذة الجماعة أي علاقة بالتقاليد
والمفاهيم الانطباعية ، وإنما حملت التسمية فقط ، فقد كان
لأعضائها أساليب فنية مختلفة توزعت ما بين الواقعية ، والتعبيرية
، والتكعيبية والتجريدية ..
ايضاحات:
هذه الهوامش الاضافية ذات أهمية كبيرة بالنسبة للمهتمين بتدوين
تاريخ الفن العراقي الحديث
لأنها توفر معلومات دقيقة حول الفنانين البولنديين ، ولا سبما أن
مؤلفات الفن العراقي المنشورة والصادرة باللغة العربية تفتقر
لمثل هذة المعلومات .
• الفنان يوسف جابسكي (1896 براغ ـــ 1993
باريس ).
نشأ يوسف جابسكي في وسط عائلة فنية ( من العوائل الأرستقراطية
البولندية ) ومارس الرسم منذ صباه تحت إشراف معلم خاص ، وبعد
إكمال الدراسة الثانوية في العام 1915 ، فضل الإلتحاق بجامعة
بطرسبورغ لدراسة القانون. وفي العام التالي وبعد قراءته " نداء
السلام" الشهير الذي أصدره في هذه الفتره . الكاتب الفرنسي
الشهير (رومان رولان) والذي طالب فيه احرار العالم الى النضال من
أجل وضع حد للحرب العالمية الاولى ،
ترك جابسكي مقاعد الدراسة وتطوع بالجيش البولندي كمراسل حربي على
الحدود البولندية ــ الروسية. وفي العام1920
عاد
الى مدينة كراكوف البولندية ، حيث حصل على وسام عسكري ، ومنح
رتبة ملازم ثاني (احتياطي ) في الجيش البولندي ، تثمينا لدوره
اثناء الحرب في البحث عن أسرى وضحايا القوات البولندية الذين
وقعوا في أيدي قوات الجيش الأحمر السوفيتي . وفي هذا العام بدأ
دراسته في اكاديميةالفنون الجميلة في مدينة كراكوف .. في العام
1923 يساهم جابسكي في تأسيس جماعة ( لجنة باريس ) الفنية وهذة
الجماعة ضمت في صفوفها ( 11 ) رساما من طلبة اكادمية الفنون
الجميلة في كراكوف ، وكانوا من عشاق ( المدرسة الفنية الحديثة في
فرنسا ) أي الأنطباعية وما بعد الأنطباعية . وفي العام 1924 سافر
جابسكي وزملائه أعضاء هذه الجماعة الى باريس لدراسة الفن . وخلال
وجوده في باريس ( 19 ــ 1931) درس جابسكي الرسم تحت إشراف الفنان
البولندي يوسف بانكفيش ( 1866 ــ 1940 ) في اكاديمية كراكوف للفن
ــ فرع باريس . وكذ لك في ( أكاديمية رانسون الحرة ) ولم يكتفي
بهذا القدر من التعليم ، بل راح يمارس الرسم في مشاغل (مراسم)
بعض الفنانين الفرنسيين من أتباع وممثلي تيار ما بعد الأنطباعية
، من امثال الرسام بيير بونار( 1867 ــ 1947 ) الذي ترك تأثيرات
بارزة في مسيرة جابسكي الفنية وخاصة في مجال تقنية اللوحة
اللونية. وبسبب أتقان اللغة الفرنسية فقد استطاع جابسكي أن يعمل
ويعيش في أوساط الكتاب والمثقفين والفنانين الفرنسيين، وكان من
ابرز الكتاب الذين تعرف عليهم في تلك الأيام الكاتب اندريه مالرو
(1901 ــ 1976 ) والذي ظل صديقا لجابسكي طوال حياته . وهناك
مقالات طريفه لمالرو يتحدث فيها عن حياة جابسكي الباريسية . في
العام 1930 أستطاع جابسكي أن يقيم أول معرض لأعماله الفنية في
كاليري (Maratier ) الباريسي ، وكان هذا المعرض بداية الأعلان عن
اسلوبه الفني ( ما بعد الأنطباعية ) والذي ظل مخلصا له طوال
حياته الفنيه . وفي العام 1931 عاد جابسكي الى بولندا، وهناك
ساهم في تأسيس مجلة (صوت التشكليين) وصار أبرز كتابها في مجال
النقد الفني ، وخلال الأعوام القليلة التي سبقت الحرب العالمية
الثانية نشر كتابين في النقد الفني أحداهما حول الرسام يوسف
بانكفيش ــ رائد تيار ما بعد الأنطباعية في الفن البولندي ،
والآخر حول الفنان الفرنسي بول سيزان وتقاليد الأنطباعية في
الرسم . كما أنه ساهم في عدد من معارض جماعة " لجنة باريس "
وأقام ثلاثة معارض شخصية في وارسو وباريس ولندن ..
في بداية ايلول عام 1939 وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية ،
تم استدعاء جابسكي ــ كضابط احتياط ــ للألتحاق في جبهة الحرب
على الحدود البولندية ــ الروسية وفي أواخر هذا الشهر وقع أسيرا
مع عدد من الضباط البولنديين في أيدي القوات السوفيتية ، وتنقل
في معسكرات الأعتقال حتى العام 1941 ، حيث أطلق سراحه على أثر
توقيع المعاهدة العسكرية ما بين الجانب البولندي والروسي ، والتي
تم على أثرها تشكيل الجيش البولندي في الاتحاد السوفيتي. وقد وصف
جابسكي في كتابه(( في الأرض اللاأنسانية)) أيام أعتقاله المريرة
وكيف كان يعوض عن الموت القادم بأنشغاله بالرسم على قصاصات أوراق
الأكياس . ويبدو أن جابسكي كان محظوظا حيث أطلق سراحه ، في حين
أن زملائه في المعتقل تم أعدامهم بأمر من ستالين عام 1942 ،
وعرفت هذة الواقعة بمجزرة ( كاتين ) وكانت نقطة سوداء في تاريخ
العلاقات البولندية ـ الروسية حتى العام 1991 حيث حصلت بولندا
على وثائق هذه المجزرة وأعترف الجانب الآخر بوقوع مثل هذا الأمر
.
في تشرين الأول عام 1942 وصل جابسكي مع القوات البولندية من
الاتحاد السوفيتي الى العراق مرورا بايران. وفي بغداد تولى
مسؤولية مكتب الاعلام والثقافة للجيش البولندي في الشرق ــ وكان
موقع هذا المكتب في شارع الرشيد وليس بعيدا عن المقهى البرازيلية
التي كانت في تلك الأيام محطة التقاء المثقفين والفنانين
العراقيين والاجانب . وفي آب عام 1943 توجه جابسكي نحو فلسطين ،
ومصر ثم انتقل الى ايطاليا وفي العام 1946 وصل باريس حيث كانت
محطته الأخيرة التي اقام فيها حتى رحيله عن عالمنا في يوم 12
كانون الثاني عام 1993.
حياة يوسف جابسكي في باريس ونشاطاته تنوعت فهو مارس الرسم الى
جانب النقد الفني ، وكتابة المذكرات وتدوين الأحداث والمتغيرات
السياسية والأجتماعية التي عاشها البولنديين في أراضي الأتحاد
السوفيتي وفي الشرق الأوسط خلال فترة الحرب العالمية الثانية ،
والى جانب هذا فقد أشرف على مجلة كولتورا (kultura )
التي تأسست في باريس عام 1946 وهذه المجلة كانت لسان حال
المعارضة البولندية في المنفى ضد النظام الشيوعي السابق في
بولندا . ولهذا فأن جابسكي قبل وفاته كان يعتبر أبرز الاصوات
البولندية المعارضة في المنفى وأحد رواد التيار اللوني في الرسم
البولندي الحديث وآخر من تبقى من فناني ما بعد الأنطباعية . وبعد
التغيرات السياسية التي شهدتها بولندا منذ مطلع الثمانينات في
القرن الماضي ، بدأ الشارع البولندي يتداول مؤلفات جابسكي
وأعماله الفنية بعد ان كانت جزء من المحرمات السياسية .
ورافق الأهتمام الشعبي بهذا الفنان أهتمام الجهات الرسمية
البولندية ، حيث أقيم اكثر من معرض لأعماله الفنية ، وطبعت
مؤلفاته من جديد ، وكان أهم مظاهر هذا الأهتمام هو حصوله عام
1992 على أرفع وسام في بولندا " وسام نهضة بولندا " وكذلك قيام
أكاديمية الفنون الجميلة في كراكوف بمنحه لقب برفسور شرف في هذه
الأكاديمية . وفي هذه الأيام يمكن العثور على كتاب ليوسف جابسكي
لدى باعة الصحف والمجلات في وارشو ، في حين مثل هذا الكتاب وفي
زمن التابو الشيوعي كان يتداول بشكل سري .
• يوسف ياريما : ( 1900 ــ 1974 ).
بدأ دراسة الفن عام 1918 في أكاديمية الفنون الجميلة في مدينة
كراكوف البولندية . وفي 1923 ألتف حوله عدد من الرسامين من طلبة
هذة الأكاديمية واعلنوا عن تأسيس جماعة " لجنة باريس" الفنية .
ومنذ شبابه مارس الى جانب الرسم كتابة النصوص المسرحية والنقد
الفني وكان هو وراء الرحلة الباريسية حيث سافر وزملائه أعضاء "
لجنة باريس " الى فرنسا عام 1924 لدراسة الفن ، وهو مثل زميله
يوسف جابسكي درس الرسم تحت أشراف الفنان البولندي يوسف بانكفيش
في " اكاديمية كراكوف للفن ــ فرع باريس " وتأثر بأعمال الرسامين
الفرنسيين من اتباع الأنطباعية وما بعد الأنطباعية وخاصة أعمال
بول سيزان ، وبيير بونار وفي باريس اشرف على تنظيم ثلاثة معارض
فنية لجماعة " لجنة باريس" وكان أبرزها معرض عام 1930 الذي أقيم
في كاليري ( zak ) الباريسي ، وهذا المعرض أثار أهتمام رواد
المدرسة الفرنسية الحديثة ، وحينذاك قال الفنان بيير بونار : "
من هنا سيبدأ التيار اللوني في الفن البولندي .. " وفي العام
1931 يعود الى بولندا . وخلال الفترة التي سبقت أندلاع الحرب
العالمية الثانية كان يوسف ياريما من أبرز الفنانين البولنديين
في مدينة كراكوف حيث توزعت نشاطاته ما بين الرسم والكتابه في
مجلة " صوت التشكيليين" وفي تنظيم معرض جماعة " لجنة باريس" ولكن
أهم ما قام به خلال الفترة هو تأسيس مسرح "cricot" كريكوت ــ
التجريبي . وهذا المسرح يقوم على المزاوجه ما بين الأدب المسرحي
والفن التشكيلي ، وقد توقفت نشاطات هذا المسرح عام 1939 بسبب
الحرب ، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية ، عادت هذة الظاهرة
المسرحية الى الوجود حيث قام الفنان التشكيلي (تاديوش كانتور)
بتأسيس مسرح " cricot 2 " ( كريكوت 2 ) وكان أمتدادا لما قام به
يوسف ياريما .
في العام 1939 وصل ياريما الى أيطاليا و من هناك أنتقل الى
فلسطين والقاهرة . وفي عام 1942 وصل الى بغداد، ليكون الى جانب
زميله جابسكي في مكتب الأعلام والثقافة للجيش البولندي وفي هذه
الفترة أشرف على الصفحة الثقافية في جريدة " الأخبار البولندية "
الصادرة في بغداد . وقد مارس الكتابة في الصحافة الإنكليزية
والبولندية التي كانت تصدر في فلسطين و القاهرة وبغداد . وكان له
مقالات كثيرة حول الفن العراقي القديم ، وحول الفن الحديث في
العراق. ومثل زملائه البولنديين فقد صور يوسف ياريما في لوحاته
مشاهد من أحياء بغداد وبأسلوب ما بعد الأنطباعية، وكان عدد من
هذه اللوحات قد زين جدران المقهى البرازيلية في بغداد وطوال فترة
الأربعينات ، وفي عام 1946 عرض البعض منها في معرض جمعية أصدقاء
الفن في بغداد . بعد الحرب العالمية الثانية تخلى يوسف ياريما عن
الرسم الأنطباعي وتحول نحو التجريدية التعبيرية ، ومن ثم
التجريدية الهندسية . وفي روما التي أستقر فيها منذ عام 1945 قام
بتأسيس رابطة " art club " العالمية وقد ضمت هذة الرابطة في
أواخر الأربعينات عدد من الفنانين الطليعيين والمستقبليين ومن
بلدان مختلفة وكان التيار التجريدي هو الذي يجمعهم ، وقد أقامة
هذة الرابطة معارض لها في روما وباريس وجنيف.
في العام 1950 تزوج يوسف ياريما الفنانة الفرنسية ( Maria
Sperling ) وأنتقل للعيش في فرنسا. وفي هذه الفترة بدأ مرحلة
جديدة من حياته الفنية ، فإلى جانب الرسم مارس تصميم وتنفيذ
لوحات النسيج الجداريات المنسوجة التجريدية . وفي ضواحي باريس
أسس مع زوجته من جديد رابطة "ART CLUB " العالمية والتي ضمت
رسامين ونحاتين وكرافيكيين أغلبهم من بلدان العالم الثالث والذين
كانوا يدرسون الفن في باريس . وخلال أعوام الخمسينات والستينات
أشرف على إقامة عدد من المعارض الفنية لهذة الرابطة في بولندا،
وباريس وروما، وقد عرفت هذة المعارض بأتجاهاتها التجريدية ، وفي
عام 1974 توفي بالسكتة القلبية في مدينة ( ميونخ ) الألمانية وهو
يشرف على تنظيم معرض جديد لهذه الرابطة . ويوسف ياريما يعتبر
واحد من أبرز ممثلي الفن البولندي الحديث في المنفى ، وقد تم
الأحتفال بذكراه في عامي 1995 و 1998 حيث اقيمت له معارض فنية
ووثائقية في مدينة كراكوف وفي العاصمة وارسو .
• إدوارد ماتوشجاك ( 190 ــ 1965).
بدأ دراسة فن الرسم في عام 1930 في أكاديمية الفنون الجميلة في
كراكوف . وفي عام 1934 سافر الى باريس لدراسة الفن لمدة عام واحد
تحت أشراف الفنان البولندي يوسف بانكفيش في ( أكاديمية كراكوف
للفن في باريس ) . وخلال الفترة بين عامي 1936 ــ 1939 مارس
نشاطه الفني في كراكوف ، والى جانب الرسم مارس فن السيراميك ،
وانشغل في تصميم وتنفيذ اللوحات الجدارية السيراميكية وكذلك ساهم
في تأسيس جماعة " فناني كراكوف" الأنطباعية إضافة الى عضويته في
جماعة " الفن الطليعي " وخلال هذة الفترة أقام ثلاثة معارض شخصية
لأعماله الأنطباعية وما بعد الأنطباعية في كراكوف ووارسو ..
في عام 1939 بدأ رحلة المنفى مع القوات البولندية نحو الشرق
الأوسط حيث وصل الى فلسطين عام 1940 وهناك عمل كرسام في الصحافة
البولندية وفي صحافة المقاومة الفرنسية وخلال عامين تنقل مابين
فلسطين والقاهرة. وأقام ثلاثة معارض لأعماله في القدس والقاهرة و
الإسكندرية . وفي عام 1942 وصل الى بغداد مرورا بسوريا وفي بغداد
أرتبط بعلاقات شبه يومية مع الفنان العراقي فائق حسن . وكان في
هذة الفترة أحد العاملين في صحافة القوات البولندية في بغداد
وكان له مساهمات في معارض جماعة أصدقاء الفن العراقية وفي معارض
الفن البولندي في بغداد . وبعد مغادرة القوات البولندية الأراضي
العراقية عام 1943 توجه ماتوشجاك نحو القاهرة . حيث عاش وعمل
فيها حتى عام 1952، وفي هذة الفترة أهتم بدراسة العناصر
التجريدية في الفن المصري القديم ، الى جانب أهتمامه بتصوير
مشاهد الحياة اليومية في المدن والأرياف المصرية . وقد ساهم في
عام 1947 في المعرض الدولي للفنون المعاصرة في القاهرة ، كما
ساهم مع جماعة " الفن المعاصر" المصرية في معارضها الفنية في
الإسكندرية والقاهرة . في العام 1952 يصل إدوارد ماتوشجاك الى
باريس للأقامة الدائمة ومنذ هذا العام يبدأ المرحلة التجريدية في
حياته الفنية بعد أن تخلى عن الأساليب الأنطباعية وما بعد
الأنطباعية . وفي العام 1953 يصبح عضوا في جماعة الحقائق الجديدة
" Reality Nouvelle " في باريس ويساهم في معارضها داخل فرنسا
وخارجها . وهذة المجموعة معروفة على النطاق العالمي بأنها تمثل
أحد تيارات التجريد في الفن الأوروبي الحديث . والجدير بالذكر
هنا أن الرسام العراقي الحروفي جميل حمودي كان عضوا في هذة
الجماعة الفنية أثناء فترة إقامته في باريس خلال الأعوام 1947 ــ
1962 . وإذا كان الفنان حمودي قد أغفل معرفته بالفنان ماتو شجاك
، فإن الفنان فائق حسن كان على إتصال دائم بــ (( ماتو شجاك ))
وحتى رحيل هذا الأخير عن عالمنا في باريس 1965 . | |
|