نكت عربية و قصص كوميدية على شكل أسئلة و أجوبة متاحف عالمية فنون قاموس تشكيلي

فنون عربية وعالمية

 

 فنانون بولنديون في بغداد

في عام 1964 قام الأديب والرسام جبرا ابراهيم جبرا ، باعداد يوميات الفنان جواد سليم ، ونشرها في مجلة "حوار" اللبنانية العدد الثامن السنة الثانية ، كانون الثاني ــ شباط 1964 . وفي هذة اليوميات وردت لأول مرة معلومات عن فنانين بولنديين تواجدوا في العراق أثناء الحرب العالمية الثانية ، وعن دورهم في تطوير مفاهيم وتجارب عدد من الرساميين العراقيين الشبان في تلك الفترة .
وفي اعوام السبعينات وفي ظل الأهتمام المتزايد بالظواهر الثقافية والفنية الحديثة التي شهدها العراق في فترات الأربعينات والخمسينات ، كان للموضوع البولندي مكانه في مذكرات وأحاديث عدد من الفنانين والشعراء الذين عاشوا أحداث تلك الأيام ، وقد نشرت هذة المذكرات والأحاديث في الصحف والمجلات العراقية وكذلك أشار الى هذا الموضوع بعض الكتاب والنقاد في مؤلفاتهم عن الفن الحديث في العراق . وبالرغم من أن عددا من هؤلاء حاول إلغاء أو التقليل من أهمية الدور البولندي في حركة الفن العراقي ، إلا أن الرأي الذي كان سائدا في أوساط المثقفين والفنانين ، هو ذلك الرأي الذي يعتبر وجود البولنديين في بغداد أثناء الحرب العالمية الثانية ، كان من أهم المؤشرات على بداية المرحلة الجديدة في تاريخ الفن العراقي الحديث .
تكوينات تجريدية-ادوارد ماتوشجاك-1958ما حكاية هؤلاء البولنديين ...؟ وما أبعاد دورهم في مسيرة الفن الحديث في العراق ...؟
للأجابة على هذا السؤال لا بد من إلقاء الضوء على تفاصيل هذا الموضوع ومتابعة جوانبه المختلفة ، من خلال الإعتماد على الوثائق البولندية ، وعلى مذكرات وأحاديث أولئك الفنانين والشعراء الذين شهدوا أحداث تلك الفترة من الأربعينات أو الذين كانوا على إتصال دائم بالبولنديين . ولا بد من الإشارة هنا بأن هذه الوثائق البولندية كانت بعيدة عن متناول الكتاب الذين درسوا الفن الحديث في العراق .

البولنديون في العراق : 1942 ــ 1943

تذكر بعض مصادر الفن الحديث في العراق ، بأن البولنديين وصلوا الى العراق كالاجئين بعد إحتلال بلادهم من قبل الروس والألمان ، أو أنهم وصلوا الى العراق كأسرى حرب جاء بهم الإنكليز الى معسكرات الإعتقال في بعض المدن العراقية .
إن مثل هذة المعلومات غير صحيحة وبعيدة عن الواقع التاريخي ، والحقيقة هي أن وصول البولنديين ـ ومن ضمنهم الفنانين ـ الى العراق أرتبط بالإحتلال البريطاني المباشر للعراق والذي تم في بدايات حزيران عام 1941 ، وحاجة بريطانيا في تلك الفترة الى قوات عسكرية جديدة تقوم بحماية المراكز النفطية والسيطرة على طرق المواصلات التي تربط العراق بتركيا وإيران ، ولا سيما أن الفترة الواقعة مابين عامي 1941 ـ 1942 كانت بالنسبة لبريطانيا العظمى ــ باعتبارها من دول الحلفاء ــ فترة صعبة جدا ، إذ أن قواتها العسكرية كانت مشتركة في معارك وعمليات حربية كثيرة، وفي مناطق عديدة من الشرق الأوسط . وتجدر الإشارة هنا الى أن هذا الأمر قد تم وفقا للمعاهدات السياسية والأ تفاقات العسكرية لدول " معسكر الحلفاء " والتي أدت آنذاك الى نشر القوات البولندية ، ليس في العراق وحده ، وإنما في عدد من الأقطار العربية ، وكذلك في إيران .
لقد وصلت القوات العسكرية البولندية ومعها عدد كبير من المدنيين الى العراق من مدينة بهلوي الإيرانية الواقعة على بحر قزوين ــ ومن فلسطين خلال الفترة الواقعة ما بين بداية آب ونهاية أيلول من عام 1942 وقد انضمت هذه القوات الى الوحدات العسكرية البريطانية التي كانت تحت قيادة الجنرال متلا ند ولسن " M . Wilson " وكان مقرها العام في بغداد .
ادوارد ماتوشجاك - باريس 1960في مطلع تشرين الأول عام 1942 ، أصدر الجنرال البولندي فوادسواف شيكورسكي " W . Sikorski " .
رئيس حكومة بولندا في المنفى والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك ـ قرارا عسكريا تم بموجبه تشكيل الجيش البولندي في الشرق ( A . P . W ) الذي ضم كافة الوحدات العسكرية البولندية والتي كانت منمتشرة في بعض بلدان الشرق الأوسط ، وخاصة في إيران وفلسطين ومصر . وقد اتخذ هذا الجيش من العراق مقرا عاما له ، وفي الثلاثين من تشرين الأول وصل الجنرال فوادسوف أندرس " W. Anders " الى بغداد من طهران كقائد عسكري عام للجيش البولندي في الشرق . وبدأ التفاوض مع الإنكليز حول كيفية توزيع ومرابطة القوات البولندية في الأراضي العراقية .
لقد انتشرت وحدات الجيش البولندي في مناطق عديدة من العراق ففي شمال شرق بغداد ـ في منطقة قزل رباط تمركزت بعض وحدات المدرعات والمشاة ومدرسة الإعداد الحربي ، إضافة الى مقر قيادة وأركان حرب الجيش البولندي . وفي أطراف مدينة خانقين وبالقرب من الحدود العراقية ـ الإيرانية تمركزت وحدات عسكرية أخرى ، مثل :فرق المدفعية، وكتائب المجندات ، والمستشفى العسكري ، إضافة الى عدد من وحدات المشاة ، وفي الحبانية حيث توجد القاعدة العسكرية والجوية البريطانية رابطت قوات بولندية جنبا الى جنب مع القوات البريطانية، وما عد هذا فقد انتشرت وحدات بولندية أخرى في مدن شمال العراق ، كا الموصل وكركوك، حيث توجد المناطق النفطية والمراكز الإستراجية المهمة، وفي جنوب العراق كانت هناك وحدات للتموين العسكري رابطت الى جانب القوات البريطانية في مدينة البصرة ، وكانت مهمة القوات العسكرية البولندية في العراق هي حماية أنابيب وآبار النفط وخط سكك الحديد ، طرق المواصلات البرية التي تربط العراق بإ يران وتركيا ، والدفاع عن هذة المراكز في حال تعرضها لهجوم من قبل القوات الألمانية.
وحسب المصادر البولندية فإن عدد نفوس البولنديين الذين تواجدوا في العراق كان حوالي 70 ألف نسمة ، كان من بينهم 50 ألف جندي وعسكري أما البقية فقد كانوا من المدنيين ، ومن فرق الشبيبة والفتوة العسكرية التي لا تزيد أعمارهم عن السابعة عشرة ، وقد سكن هؤلاء في معسكرات تابعة للجيش البولندي في ضواحي شمال شرق بغداد ، وفي منطقة خانقين ، وكان الجيش البولندي يحصل أثناء وجوده في العراق على مساعدات مالية من قبل الحكومة العراقية، وقد أقام البولنديون في العراق حتى نهاية آب من عام 1943 . حيث صدرت لهم الأوامر البريطانية بمغادرة العراق والتوجه نحو فلسطين ومصر .
لقد قام البولنديون أثناء وجودهم في العراق بتأسيس عدد من الجمعيات والهيئات التربوية والدينية والسياسية وكان تكوينات تجريدية - يوسف ياريما - 1958بعضها موجودا في مقرات الوحدات العسكرية وفي معسكرات الأهالي ، وكان البعض الآخر موجود في بغداد مثل : الهيئة الدبلوماسية لحكومة بولندا في المنفى ـ المفوضية البولندية ـ والصليب الأحمرالبولندي ، ومكتب الإعلام والثقافة للجيش البولندي في الشرق ، الذي كان مقره يقع في شارع الرشيد بالقرب من المقهى البرازيلية ، هذه المقهى التي شهدت بدايات تعارف ولقاءات الفنانين العراقيين بزملائهم البولنديين . وفي شارع الرشيد أيضا كان هناك المطعم البولندي polska الذي كان بمثابة " كاليري فني " حيث زينت جدرانه بعدد من اللوحات والملصقات الفنية ، ومن بين هذة الملصقات كان هناك ملصق دعائي ، احتل واجهة المطعم وكان من تنفيذ الفنان جواد سليم ، وربما يكون هذا الملصق الذي طبع بالألوان أقدم ملصق ملون من تصميم فنان عراقي . والى جانب هذا فإن البولنديين كانوا يصدرون في بغداد ثلاث جرائـد باللغة البولندية وهـــــــــى :
( الأخبار البولندية ) ، جريدة يومية ولسان حال البولنديين في الشرق ، و (النسر الأبيض) ، جريدة ثقافية عامة كانت تصدر مرة واحدة في الأسبوع ، والصحيفة الدينية ( الاسم المقدس) ، وهي جريدة نصف شهرية ، وكانت هذة الصحف تطبع في بغداد وتوزع في انحاء الشرق الأوسط ، كما كان للبولنديين في بغداد فرقة للغناء والموسيقى الشعبية وفرقة مسرحية باسم ( المسرح البولندي الجوال ) .
وفي صفوف الجيش البولندي كان هناك عدد كبير من الفنانين المسرحيين والتشكليين والكتاب والأدباء ، وكان البعض منهم من الأسماء البارزة والمعروفة في بولندا خلال الأعوام التي سبقت الحرب العالمية الثانية . وقد بلغ عدد الفنانين التشكيليين فقط حوالي ثلاثين فنانا وفنانة ، ولكن أكثر هؤلاء شهرة في بغداد آنذاك كان كل من يوسف جابسكي " J . Czapski " يوسف ياريما " J . Jarema " إدوارد ماتوشجاك" E.Matuszczak " زيكمونت هار " Z . Har " لوبود هار " L . Haar " فليكس توبولسكي " F . Topolski " فلاستميل هوفمان " V . Hofman " زيكمونت توركفيش " Z . Turkiewicz " يانينا بوغوتسكا" j . Bogucka " كوررديان زاموسكي " K . Zamorski " وهنريك شيدلانوفسكي " H . Siedlanowski " وقد جاءت شهرة هؤلاء الفنانين بسبب نشاطاتهم الفنية ، وعملهم بالصحافة البولندية والإنكليزية الصادرة في بغداد آنذاك ، وتواجدهم اليومي في المقهى البرازيلية ، كما كان لعدد منهم ( مراسم فنية ) في محلة النصارى في الجهة المطلة على شارع الرشيد . ولهذا احتفظت ذاكرة بعض المثقفين والفنانين العراقيين بعدد من اسماء هؤلاء البولنديين ، في حين احتفظت ذاكرة البعض الآخر بأسماء أخرى، ولكن هذة الذاكرة لم تنشر زادها في الصحف العراقية ، إلا بعد ثلاثة عقود على إنتتهاء الحرب العالمية الثانية ، فكان هذا الزاد أو تلك الأحداث المنشورة هي ما تبقى عالقا في أطراف الذاكرة وليس من أعماقها ، ولهذا ظل العراقيون يرددون في كتاباتهم أسماء ثلاثة أو أربعة من أولئك الفنانيين البولنديين ــ كما سنرى لاحقا ـــ طبعا لا بد هنا أن يتم استثناء الفنان جواد سليم ، فهذا الفنان دون يومياته خلال الأربعينات . وفي هذة اليوميات ، هناك الكثير من تفاصيل لقاءاته يوسف ياريما - باريس 1970اليومية بالفنانين البولنديين ، ولكن الاسم الوحيد الذي يتردد في هذة اليوميات هو اسم الفنان يوسف جابسكي ، ويبدو أن السبب في ذلك يعود الى عظمة هذا الفنان بالنسبة لجواد سليم ـ كما سنرى في ما بعد ـ وفي حقيقة الأمر إن يوسف جابسكي الذي شغل منصب المدير العام لمكتب الإعلام والثقافة للجيش البولندي حينذاك ، لم يكن مجرد رسام ، وإنما كان ناقدا فنيا وكاتبا معروفا قبل وصوله الى بغداد ، وهو أحد رواد التيار اللوني في فن التصوير البولندي الحديث وهذا التيار كان من ابرز الاتجاهات الفنية في بولندا خلال فترة ما بين الحربين .
إن الصحف البولندية الصادرة في بغداد خلال عام واحد ـ وهي الفترة التي تواجد فيها البولنديون في العراق تحتوي على الكثير من التقارير الصحافية و المقالات التي تبين مدى مساهمة البولنديين في إنعاش وتنشيط الحياة الثقافية والفنية في بغداد آنذاك حيث كانت هناك العروض المسرحية ، والحفلات الفنية ، ومعارض الرسم والملصقات السياسية ، ومعارض الفن الشعبي البولندي ، وكانت تلك النشاطات تقام في قاعة الملك فيصل ، في قاعة المعهد البريطاني ، وفي المقهى البرازيلية . والى جانب هذا فإن عددا من الفنانيين البولنديين اعتادوا على المساهمة الدائمة في معارض جمعية أصدقاء الفن العراقية ، ومن هذة المعارض المشتركة ـ على سبيل المثال ـ المعرض السنوي الثالث لجمعية أصدقاء الفن الذى أقيم على قاعة المعهد البريطاني في يوم 28 كانون الثاني من عام 1943 ، ورافق افتتاح هذا المعرض عقد لقاءات وأمسيات ثقافية في مقر جمعية أصدقاء الفن شارك فيها الفنانون العراقيون وعدد من الفنانين البولنديين ، وكان للصحف البولندية نصيبها في تغطية هذة النشاطات . ففي يوم 17 شباط كتب الفنان يوسف جابسكي مقالا في جريدة الأخبار البولندية تحت عنوان منابع الفن الحديث . تحدث فيه عن إبدعات الفنانيين العراقيين المعروضة في معرض الجمعية ، وأستعرض فيه التراث الحضاري والفني في العراق القديم ، وكيف يستطيع الفنان العراقي المعاصر أن يستفيد من تلك الانجازات الفنية في حضارات سومر وبابل ، لغرض بناء شخصيته وأساليبه الفنية الحديثة ..
إما بالنسبة لمعارض الفن البولندي التي أقيمت في بغداد في تلك الفترة ، فإن أهمها ــ كما يبدو لي ــ هو ذاك المعرض الشامل الذي أشرف على إقامته ( مكتب الإعلام والثقافة للجيش البولندي في الشرق ) ، وكان تحت عنوان ( معرض التشكيليين البولنديين ــ الجنود ) وقد افتتح المعرض يوم 15 شباط عام 1943 على قاعة المعهدالبريطاني في بغداد، وقد حضر حفل الإفتتاح بعض رجالات الدولة العراقية آنذاك ، مثل الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله ، ورئيس الوزراء نوري السعيد ، ووزير الداخلية تحسين العسكري ، وحضر عدد من اعضاء السلك الدبلوماسي والعسكري والثقافي البولندي والبريطاني ، وكان من بينهم الجنرال فوادسواف أندرس القائد العسكري العام للجيش البولندي، وهنري مالهوم ,, H . Malhomme ,, ممثل حكومة بولندا في العراق ، كما حضر أيضا العديد من المثقفين والفنانين طبيعة صامتة - يوسف جابسكي - 1943العراقيين والبولنديين ، وفي هذا الحفل ألقى الفنان جواد سليم كلمة الفنانين العراقيين أشار فيها الى تراث بولندا الثقافي والفني ، والى أهمية البولنديين في الحياة الفنية في بغداد ، ودعا زملائه من الفنانين العراقيين الى السير على طريق الفنانيين البولنديين والإستفادة من تجاربهم الثقافية والفنية . وعن الفنانيين البولنديين ألقى يوسف جابسكي كلمة تحدث فيها عن حياتهم اليومية ولقاءاتهم بالفنانين العراقيين الشباب ، وعن معالم بغداد الحضارية التي تشكل عالما غنيا بعناصره الجمالية والتشكيلية ، ودعا الفنانين البولنديين والعراقيين الى استلهام تلك المعالم في أعمالهم الفنية ، وقد احتوى هذا المعرض على ( 125 ) عملا فنيا موزعة ما بين رسوم مائية ولوحات زيتية وتخطيطات، وكانت أغلب موضوعات هذة الأعمال مستمدة من مشاهد الطبيعة ومشاهد الحياة اليومية في العراق وفي بعض بلدان الشرق الأوسط، وعلى الرغم من كثرة الأعمال الفنية في هذا المعرض إلا أن ما أثار اهتمام الزوار الأجانب والعراقيين هو لوحة واحدة كانت بعنوان ( أم الفنان فائق حسن ) للرسام إدوارد ماتو شجاك ، ولهذه اللوحة حكاية طريفة ـــ : في شتاء عام 1942 ، أقنع الفنان فائق حسن والدته أن تجلس كموديل بملابسها العراقية أمامه وأمام زميله البولندي ماتوشجاك، وبعد ساعات من السكون والعمل المتواصل ، أنجز كل منهما لوحته ، وقبل أن تشاهد الوالدة نفسها على قماش اللوحتين، طلبت من إبنها أن يحتفظ بهاتين اللوحتين بعيدا عن عيون الناس ، ولكن الرسام ماتوشجاك أقنعها بإن تلقي نظرة على لوحته وعندما شاهدت نفسها ، صرخت بوجه هذا الرسام بأن لوحته ما هي إلا ( خرابيط ) وبقع شبيهة بالذباب وبهذا إستطاع هذا الرسام إخراج لوحته من بيت فائق حسن ، وكان ماتوشجاك قد رسم لوحته بأسلوبه الانطباعي التنقيطي، وبعد أن عرضت هذة اللوحة في بغداد ، تنقلت مع الفنان بعد الحرب العالمية الثانية ما بين فلسطين ومصر، وضاعت آثارها بعد أن أقام بشكل دائم في باريس عام 1952 ، ومن حسن الحظ أن صورة هذه اللوحة موجودة في دليل (معرض التشكيليين البولنديين ــ الجنود) وهذا الدليل محفوظ الآن في معهد تاريخ الفن ــ أكاديمية العلوم البولندية، ضمن وثائق الفن البولندي العائدة الى فترة الحرب العالمية الثانية .
وفي حالة الحديث عن أهمية هذا المعرض البولندي ، لا بد من القول بأنه كان من أبرز الأحداث الثقافية الفنية التي شهدتها بغداد خلال فترة الأربعينات ، فكان هو أول معرض بهذا المستوى للفن الأوروبي يقام في العراق كما أن الإنطباعية وما بعد الإنطباعية هي الأساليب التي كانت مثار اهتمام الفنانين العراقييين طوال فترة الأربعينات، وكان البعض منهم يرى بأن إتقان هذة الأساليب الفنية هو بمثابة هوية مرور نحو عالم الفن الأوروبي وتياراته المختلفة ..

الفنانون البولنديون.. نقطة تحول في تاريخ الفن العراقــي الحديث.

بعد تعرفه على الفنانيين البولنديين في العام 1942 كتب الفنان جواد سليم ، قائلا : إني أشكر الأقدار لتوصلي الى معرفتي الجديدة ، وسأبدأ منها مفتوح العينين ومفتوح الفؤاد لأن طريقي منير ....
جاءت هذه الكلمات بعد عامين من حالات اليأس والركود الفني التي عانى منها هذا الفنان وعدد من زملائه الفنانيين الذين عادوا الى بغداد ، دون إكمال دراستهم الفنية في أوروبا ، بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية وفي بغداد اشتغل في البحر - يوسف جابسكي - باريس 1970بعضهم بالتدريس ، وعمل آخرون في مديرية الآثار ، وفي أعمال أخرى ريثما تنتهي هذة الحرب " اللعينة " وبعد احتلال الإنكليز للعراق عام 1941 ، شهدت بغداد أشياء كثيرة جديدة وغريبة ، لم يسبق لها مثيل من قبل تحدث عنها الشاعر عبد الوهاب البياتي قائلا : ,, لقد سيطر الإنكليز على كل شيء في البلاد حتى صار منظرهم ومنظر الجنود البولنديين والهنود مألوفا في الشوارع والمقاهي والمحلات العامة وأذكر جيدا أننا لم نكن نجد صعوبة كبيرة في التمييز بين الجندي الإنكليزي والجندي البولندي مع أن اشكالهم لم تكن تختلف بالمرة فالجندي الإنكليزي متجهم الوجه ، ثابت الخطى لا يحاول أن يختلط مع الناس أو يقترب منهم وكان كل واحد منهم يتقن تمثيل دور المحتل القوي ، أما الجنود البولنديين فقد كانو ا مرحيين طيبين على غاية من الأدب والدماثة وكانوا يجلسون في المقاهي ويقفون أمام البيوت القديمة وكأنهم فنانون كبار ، وفعلا كان فيهم فنانون كبار استفاد منهم فنانونا الشباب .. ,, في ظل هذة الأجواء الجديدة تعرف جواد سليم وزملائه على عدد من الفنانيين البولنديين ، " وارتبط هؤلاء مع بعضهم بميل فطري واحد هو إنساني محض، حب الحياة ، والكفاح في سبيل النظام الطبيعي ، حب الحياة والأشياء البسيطة التي تنسينا الموت ..." ــ هذا ما قاله جواد سليم في يومياته ـ وقد حاول هؤلاء أن يخلقوا في بغداد ، أجواء شبيهة بأجواء باريس الفنية ، فكانوا يجتمعون في كل مساء في المقهى البرازيلية ، لأحتساء القهوة الفرنسية ، مع جدالهم الطويل ، حول كل شيء وكانوا آخر من يترك المقهى، ويرى الفنان والأديب جبرا ابراهيم جبرا ، بإن هذة اللقاءات كانت بداية المرحلة المهمة الأولى في حركة الفن العراقي المعاصر ، حيث مهدت الطريق أمام الفنانيين العراقيين للتعرف على أسرار الفن الأوروبي الحديث .
كيف حدث هذا ؟ وما طبيعة الدور الذي لعبه البولنديين في ثقافة الفنانيين العراقيين ، وفي تجاربهم الفنية ...؟
في مذكرات وأحاديث الفنانيين العراقيين الذين عاشوا أحداث تلك الفترة أو الذين كانوا على اتصال دائم بالفنانيين البولنديين ، هناك الكثير من التفاصيل والحكايات التي تجيب عن هذة التساؤلات .
في يومياته يصف الفنان جواد سليم التحول الذي حدث في حياته الفنية بعد تعرفه على الفنانيين البولنديين قائلا: إن هؤلاء الأجانب كانوا ذوي أثر على فنانينا .. كانوا ذوي أفكار جديدة ، ومن الذين يمزجون في نتاجهم الفني عصارة تأملاتهم ودراساتهم بدنيا إحساسهم وخيالهم .. لقد تعرفت من البولنديين أشياء كثيرة سيكون لها تأثير عظيم جدا في مجرى حياتي .. إن بعض كلمات الرسام الكبير جابسكي ستبقى في رأسي طوال حياتي ، سألنا ذات مرة : هل تحبون بلادكم ......؟ فأجابه أحد الفنانين على الفور: لا ....
فقال جابسكي : إنك غلطان ، إن الإنسان لا يبدع في رسم شيء لا يحبه ، وإنكم لن تكونوا شيئا إذا لم يكن في قلوبكم الحب الصادق العميق للبلد الذي أعاشتكم تربته ، خذوا مثلا الرسامين الفرنسيين ، فقد استفادوا كثيرا من الشرق من ألوانه ومن مواضيعه ... ومن اقوال جابسكي : يجب ان تستغلوا عدم مجيء الرسامين الأوروبيين العظماء الى بلادكم، لأنها غنية بالألوان والصور وغنية بالمواضيع التي تساعدكم على تطوير أنفسكم ...
رجل والوان حمراء - يوسف جابسكي - 1980وفي مكان آخر من يومياته يكشف جواد سليم عن تلك التأثيرات الثقافية والفنية البولندية على النحو التالي: " عندما كنت في باريس لم أعط اهتماما كبيرا للمدرسة الفرنسية الحديثة ( الإنطباعية وما بعد الإنطباعية ) مع حبي الكبير لها، ورجعت الى بغداد ، وأنا لا اعرف شيئا عن هذة المدرسة ، وبعد تعرفي على الفنانين البولنديين ، بدأت أعرف الآن من هم الإنطباعيون ، وما بعد الإنطباعيين ، وعرفت قيمة المدرسة الفرنسية الحديثة، عرفت الآن ماهو اللون ، وكيف تستعمل الألوان ، الآن أخذت أفهم لوحات سيزان ، ورينوار ، وفان كوخ، ولوحات عظماء الفن الإيطالي ، ولوحات غويا، والتصوير الشرقي ... ثم عرفت أكثر من هذا ، عرفت قداسة العمل وقيمة الوقت ... " ويضيف واصفا الفنانيين البولنديين بأنهم لم يكونوا من طلاب ( البوزار ) في باريس أو ( السليد سكول ) في لندن ، بل كانوا من (عشاق المدرسة الفرنسية) وقد عاشوا في باريس فترة من الزمن وتعرفوا على عظمة هذة المدرسة وأسرارها بالدرس على يد أستاذهم صديق الرسام الفرنسي بونار ومن خلال زياراتهم للمتاحف في باريس ...."
أما الفنان فائق حسن فقد تحدث عن البولنديين قائلا : " إن هؤلاء الرسامين نبهونا الى عادية الأساليب الواقعية والأكاديمية فتجاوزناها وتركناها .. لقد نبهونا الى اللون وإشعاعاته ، فالأكاديمية والواقعية لا تعتمدان على دراسة لونية خاصة ... كنا قبل هذة الفترة نهتم بدراسة الأشكال فقط ... أما بعد تعرفنا على الرسامين البولنديين ، فقد تحررنا من تلك القيود وانطلقنا الى عالم الألوان اللامحدود ... " ويذكر أحد الفنانين العراقيين أن الرسام فائق حسن عندما كان طالبا في باريس في أعوام 1935 ــ 1938 ، كان يتردد على أحد المتاحف هناك ، وقد تعرف على أعمال رسام فرنسي وأعجب بها ، ولكنه لم يهتم بمعرفة أسم هذا الرسام ولم يعرف أن هذا الرسام هو بول سيزان ، إلا في العام 1942 وعن طريق الفنان البولندي ماتوشاك ( إدوارد ماتوشجاك ) الذي أراه نماذج من أعمال سيزان وحدثه عن الإنطباعية والمدارس الفنية الحديثة في فرنسا ..
يوسف جابسكي - في مرسمه بباريس 1985ويروي الرسام حافظ الدروبي كيف تغيرت مناهج الدراسة في معهد الفنون الجميلة ببغداد ، بعد أن تعلم كل من فائق حسن وجواد سليم الشيء الكثير من الفنانين البولنديين . وعلى ضوء الخبرة الجديدة التي قدمها هؤلاء تغير كل شيء، وامتلكنا البصيرة في مجال الرسم ، والحق يجب أن يقال ، فقد عرفنا هؤلاء على الإنطباعية الفرنسية ... وهناك حكاية طريفة يرويها الرسام اسماعيل الشيخلي الذي كان طالبا في معهد الفنون الجميلة اثناء تواجد البولنديين في بغداد ,, كان فائق حسن أستاذنا في المعهد ، وذات يوم دخل علينا وعلى أثر لقاءاته المتكررة بالفنانين البولنديين ، طلب منا بصورة مفاجئة أن نمزق كل ما رسمناه خلال السنوات الماضية ، وأغابه كان معلقا على جدران المرسم ، وقال : إن هذه اللوحات سطحية والفن الحقيقي ليس هكذا ، وبدأ يبث فينا الأفكار الفنية الجديدة التي كان قد تعلمها من البولنديين وقال : اتبعوا الطريقة الإنطباعية وما بعد الإنطباعية وخاصة أسلوب التنقيطية (Pointillism ) . وبدأ يشرح لنا الطريقة التي يجب أن نرسم بها لوحاتنا ، ومن أجل أن يطور معارفنا فقد طلب منا أن نشاهد الرسام ماتوشاك( إدوارد ماتوشجاك ) وهو يرسم لوحاته ... وذات يوم جاء هذا الرسام الى المعهد ، وبدأ يرسم المقهى المجاور للمعهد وما يحيط به من مناظر وكان لهذا المشهد تأثيرا كبيرا علينا ، إذ كنا مشدودين الى ما يصنعه هذا الرسام ، وانتظرنا أربع ساعات حتى انجزاللوحة، وقد تعلمنا منه الشيء الكثير ....
وحول أبرز الفنانين البولنديين الذين أثروا في حركة الفن العراقي خلال فترة الأربعينات والذين كانوا على اتصال دائم بزملائهم العراقيين في تلك الفترة ، يقول إسماعيل الشيخلي : هناك ثلاثة رسامين فتحوا صفحة جديدة للفن العراقي الحديث ... هم جابسكي (Jozef Czapski ) وياريما (Jozef jarema ) ، وماتوشاك (Edward Matuszczak ) ، وذلك من خلال تأثيرهم على أهم الفنانين آنذاك مثل : أكرم شكري ، وحافظ الدروبي ، وعطا صبري ، وفائق حسن وجواد سليم وعيسى حنا . وباعتقادي أن كل واحد من هؤلاء قد استفاد من البولنديين بشكل معين .. فإذا كان فائق حسن الذي ارتبط بعلاقات قوية مع الرسام ماتوشاك قد استفاد من هذه العلاقات في مجال تقنية اللوحة وفي مجال القيم اللونية والشكلية للعمل الفني ، فإن جواد سليم الذي كان أكثر ارتباطا بالفنان جابسكي استطاع أن يفهم ويستوعب القضايا الثقافية والفكرية التي كان يطرحها البولنديون .. وبشكل عام استطيع ان أقول : إن الإنطباعية وما بعد الإنطباعية التي بشر بها البولنديون آنذاك قد سادت كأساليب فنية جديدة في أوساط غالبية الرسامين العراقيين الشباب ، هذا بالإضافة الى أن العراقيين بعد أن تعرفوا على البولنديين ، واستمعوا الى آرائهم ، اتجهوا جادين لدراسة الفن العالمي الحديث ، والتعرف على أعمال عباقرة من أمثال : بيكاسو ، وسلفادور دالي ، وكاندينسكي وغيرهم ، ورسم