ومع
بـدء الـتـعـلـيم الـعـام الـنـظـامـي الحكومي في الـبحـريـن
في نهـايـة العـقـد الثاني مـن هـذا الـقـرن الـعـشـريـن،
أنـتـشـر
عـن طـريـق مـنـاهـج الـتـعـلـيـم الـعـام أو مـن خـلال طـرق
الـتـدريـس فـي الـمـدارس الـحـكـومـيـة الـفـن بـمـفـهـومـه
الأوروبي وعـلـى أسـاس وتـقـلـيـد فـكـرى وتـقـنـى من
معـطـيـات عـصـر الـنهـضـة الأوروبـيـة .
فـعـرفـنـا أول مـا عـرفـنـا مـن هـــذا الـــفـن هـــو؛
رمـــوزه الـكــبـيـرة مـمـثـلـة في الـفـنـان لـيـونـاردو دا
فـــنـشـى Leonardo
de Vinci ولـوحـــتـه الـشهـيـرة
الـمـونـالـيـزا
Monaliza وعـرفـنـا كـذلـك
مـايـكـل أنـجـلـوMichael
Angelo وقـصـة مـعـانـاتـه فـي
رسـم سـقـف كـنـيـسـة الـسـكـسـتـيـن Sixtine
في الـفـاتـيـكـان بـرومـا أو إبـداعـاتـه في تـصـمـيـم
واجـهات قـبـور عـظـماء إيـطـالـيا ومـلـوكـها و الـبـابـوات
.. وكل تـلك الـمـعـلـومـات والـمـعـارف التي عـظـمـت لـنـا
أوروبـا إلـى درجـةٍ تـراكـمـت فـيـهـا عـلـى ثـقـافـتـنـا
وتـربـيـتـنا وجـذورنا الـعـربـية طـبـقـات سـمـيـكـة
وثـقـيـلـة مـن غـبـار الـحـضارة الأوروبـية!
لـقـد
تـعـرفـنـا عـلـى كـل أولـئـك الـفـنـانـون الأوروبـيـون
الـرواد، عـنـدمـا وردت أسـمـاؤهم، لا فـي سـيـاق تـدريـس
مـادة الـفـن أو مـنـاهـجـهـا، و إنـمـا وردت في كـتـب
الـتـاريـخ الـعـام، إذ لـم يـكـن لـمـادة الـفـنـون
الـجـمـيـلـة آنـذاك أي نوع مـن الـمـراجـع أو الـكـتـب، بـل و
لم يـكـن لـهـا أي مـنـهـج تـعـلـيـمـي مـكـتـوب، إذ كـانـت
الـفـنـون تـلـقـن تـلـقـيـنـاً شـفـويـاً ومـن خـلال
الـمـمـارسـة الـتـعـلـيـمـيـة الـعـمـلـيـة.
و هـكـذا
وجـدنـا أن الـفـنـون الـتـشـكـيـلـيـة فـي الـبـحـريـن بـعـد
هـذا الـتـلـقـيـن الـمـدرسـي عـلـى الـفـن بـمـفـهـومـه
الأوروبي، قـد اتـجـهـت حـركـتـهـا و أتـجـه عـقـلـهـا (هـذا
إن كـان لـلـفـنـون عـقـلاً!) وبـشـكـل تـلـقـائـي آلـي فـي
اتـجـاه مـحـدد مـعـروف، وهـو نـفـس الاتجاه الـذي سارت عـليه
مخـتـلـف الـمـجـتـمـعـات فـي الـعـالـم؛ ألا وهـو اتـجـاه
الـتـحـضـر عـلـى الـنـمـط الأوروبي الـشـائـع، نـظـراً لـمـا
كـانـت تـمـر بـه دول الـخـلـيـج بـل ودول الـعـالـم قـاطـبـةً
آنـذاك مـن تـحـولات اجتماعية و ااقتصادية وسـيـاسـيـة
شـامـلـة، و نـظـراً لـتـصّـدر ثـقـافـة الـدول الـمهـيـمنة و
ما كـان لهـا مـن تـأثـيـر نـافـذ و خـطـيـر عـلـى تـوجـهـات
الأمـم و شـعـوبـهـا و عـلـى طـرق
مـعـيـشـتـهـا
وأسـالـيـب انتقالها مـن حـلـقـات ثـقـافـاتـهـا الـوطـنـيـة
أو الإقليمية الـتـقـلـيـديـة الـمـقـفـلـة إلـى سـاحـات مـا
كـان يغـزو الـعـالـم آنـذاك مـن مـعـطـيـات حـضـارة الـغـرب!
و
الـسؤال الـذي يطـرح نفـسه هـنا بعـد هـذه الإشارة الـصريحـة
إلـى أثـر حـضـارة الغـرب عـلـى الـعـالـم هـو؛ مـاذا نـتـوقـع
أن نـجـد فـي الـسـاحـة الـتـشـكـيـلـيـة الـمـحـلـيـة مـن
إبـداعـات؟
ما يـبـدو
لي جـواباً صـالحـاً هـو؛ أنـهـا فـي غـالـبـهـا إبـداعـات
تـأسـسـت عـلـى هـذا الـذي قـد فُـرش من أرضيـة ثـقافـية و
معـرفـية عـامة ، أُجـيـز لـنـفـسـي هـنـا بـوصـفـهـا
(مُـسـتـغـربـة) بكـل ما تـذهـب إلـيه كـلـمة الاستغراب هـنا
من مـعـانـي و أبـعـاد..! فـسـيـان عـنـدي إن كـان ذلـك
استغرابا بـمـعـنـى الاتجاه إلـى الـغـرب، أو استغرابا
بـمـعـنـى الاندهاش أو الانبهار؟
تـلـك
كـانـت مـقـدمـة مـخـتـصـرة لـكـيـف وجـد الـفـنـان التشكيلي
الـمـحـلـى نـفـسـه مـنـجـرفـاً مـع تـيـار تـمـدن الـبـحـريـن
مـنـذ ابتداء فـتـرة مـا بـعـد اكتشاف الـنـفـط ، و دخـول
الـمـجـتـمـع البحريني مـدنـيـة الـقـرن الـعـشـريـن. وعـلـى
أسـاس مـا ذهـبـت إلـيـه هـذه الـمـقـدمـة يـمـكـنـنا الـقـول؛
بـأن الـحـركـة الـتـشـكـيـلـيـة فـي الـبـحـريـن هـي حـركـة
حـديـثـة بـطـبـيـعـتـهـا، و هـي كـذلـك فـي تـوجـهـاتـهـا
الـتـي كـانـت و مـا تـزال ، مـن تـوجـهـات نـفـس هـذه
الـفـتـرة الانتقالية الـحـرجـة مـن تـاريـخ الـبـحـريـن
الـحـديـث، و هي أيـضـاً مـن نـوع تـفـاعـلـهـا التنموي
الثقافي و الفكري الـعـام في مـرحـلـتـه الـمـعـاصـرة هـذه.
ومن المهم
الـتـنـبيـه هنا إلى أن إضافـة صفة الحـداثـة لعـنوان وأسم
الفن التشكيلي المحلى في هـذا الـسـيـاق لـم يـقـصـد بـه
أبـداً الـدلالـة عـلـى مـدى حـداثـة مـضـمـون الـفـن التشكيلي
الـمحـلى، بـقـدر مـا هي إشـارة إلـى عـمر الفـنـون
الـتـشـكـيـلـة الـحـديـث نـسـبـيـاً في الـبـحـريـن.
لـقـد
كـان لـتـتـالـى إقـامـة مـعـارض الـفـنـون الـتـشـكـيـلـيـة
الـجـمـاعـيـة مُـنـذ ولادة فـكـرتـهـا مـن بـيـن أروقـة و
أدراج صـفـوف مـدارس الـتـعـلـيـم الـعـام الـحـكـومـيـة، و
نـجـاح بـدايـات هـذه الـمـعـارض الـمـفـتـوحـة لـعـامـة
الـنـاس نـجـاحـاً إعـلامـيـاً مـلـحـوظـاً، بـعـد أن حـظـيـت
بـالـتـرحـيـب و الإقـبـال الـكـبـيـر مـن الـحـكـام و
الأعـيـان و كـبـار الـمـسـئـولـيـن و الـنـاس عـلـيـهـا، و
ذلـك مـنـذ أن أقـيـم الأول مـن هـذه الـمـعـارض فـي عـام
1956
م بـنـادي الـعـروبـة، و الـثـانـي فـي عـام 1957 م
بـالـنـادي الأهـلـي فـي مـديـنـة الـمـنـامـة الـعـاصـمـة،
أثـراً إيـجـابـيـاً بـالـغ الأهـمـيـة، وضـع مـنـذ الـوهـلـة
الأولـى حـركـة الـفـنـون الـتـشـكـيـلـيـة و أفـرادهـا عـلـى
سـلـم اجـتـمـاعـي و مـعـرفـي ٍ صـاعـدٍ ، وصـل بـالـفـن و
الـفـنـان فـي مـمـلـكـة الـبـحـريـن، بـعـد أن خـرج مـن
مـخـاض الـتـأسـيـس، و ولادة أول الـتـجـمـعـات الأهـلـيـة
الـتـخـصـصـيـة فـي هـذا الـمـجـال؛ كـأسـرة هـواة الـفـن
الـتـي تـأسـسـت فـي عـام 1956
م، إلـى مـكـانـة مـرمـوقـة مـتـصـدرةٍ الـنـشـاط الـثـقـافـي
، بـل تـصـدرت جـميـع الـمجـالات الـثـقـافـيـة الـمـعـروفـة
في مـجـتـمـع ممـلـكـة البـحـريـن الـنـاهـض.
و أول من ظـهـر و
أشـتـهـر من فـنـانـي هـذه الـحـقـبـة الـتـأسـيـسـيـة
الأولـي، الـفنان يـوسـف قـاسـم، هـذا الـفـنـان الـمـتـعـدد
الـمـواهـب و الـقـدرات، فـإلـى جـانـب اشـتـهـاره كـفـنـان
تـشـكـيـلـي مـتـمـيـز، كـان يـعـد ، بـعـد الـمـرحـوم
الـمـصـور الشعـبي محـمـد الـمـاص، مـن أوائـل مـن فـتـح لـه
مـن الـفـنـانـيـن الـبــحـريـنـيـيـن محـلاً تجـاريـاً
(أسـتـوديـو) لـلـتـصـويـر الـضـوئي، و كان أيـضاً عـازفـاً
مـاهـراً عـلى آلـة الـعـود و الـكـمـان، رافـق بـعـزفـه
الـعـديـد مـن الـمـغـنـيـن المعـروفـين الأوائل.
ثـم ظـهـر فـي نـفـس
الـفـتـرة عـدد مـن الـفـنـانـيـن الـتـشـكـيـلـيـيـن
الـمـوهـوبـيـن، كـان مـن أبـرزهـم الـمـرحـوم الـفـنـان
الأسـتـاذ أحـمـد الـسـنـي الـذي أصـبـح أول مـوجـه لـمـادة
الـرسـم و الأشـغـال الـيـدويـة فـي مـدارس
الـبـحـريـن،
و مـن أول مـن سـاهـم فـي إقـامـة أول الـمـعـارض
الـجـمـاعـيـة الـمـشـتـركـة لـلـفـنـانـيـن الـمـحـلـيـيـن
فـي الـخـمـسـيـنـيـات مـن الـقـرن الـعـشـريـن، فـتـعـددت
هـذه الـمـعـارض بـنـجـاحـهـا، و انـتـقـلـت مـن أروقـة
الـمـدارس و جـمـاعـات الـنـشـاط الـمـدرسـي الـصـغـيـرة، إلـى
قـاعـات الأنـديـة الـثـقـافـيـة الأهـلـيـة، فـعـزز هـذا
الـمـنـاخ آنـذاك ظـهـور نوع من الجـماعـات الثـقـافـية
الـصغـيـرة المـسـتـقـلـة، مـثـل نـدوة الـفـن و الأدب
بالمنامة العـاصـمة الـتـي كـان وراء فـكـرة تأسـيـسـهـا
الـمرحـوم أحـمـد يـوسـف الـقـصـيـبـي و شـاركـه فـي إخـراجـها
إلى حـيـز الوجـود الفـنان عبد الـكريـم العـريـض و عـدد مـن
الـتـلامـيـذ زملاء الدراسـة.
و أثـنـاء هـذه
الـحـقـبـة الأولـى ظـهـر أيـضـاً، رسـام الـكـريـكـاتـيـر
الأول فـي دول الـخـلـيـج الـعـربـيـة آنـذاك الـفـنـان عـبـد
الله الـمـحـرقـي، و كـان مـن أبـرز و أكـثـر الـفـنـانـيـن
شـهـرة و نـجـاحـاً، فـقـد اسـتـطـاع بـالإضـافـة إلـى رسـمـه
لـلـكـريـكـتـيـر فـي الـصـحـف الـيـومـيـة و الـمـجـلات، أن
يـقـتـرب كـثـيـراً بـأعـمـالـه الـتـصـويـريـة الـطـبـيـعـيـة
الـمـسـتـوحـاة مـن واقـع حـيـاة أهـل الـخـلـيـج
الـتـقــلـيـديـة، مـن ذوق عـامـة الـنـاس و أن يـحـقـق
سـمـعـة طـيـبـة لـفـنـه، و أن يـكـتـسـب شـهـرة لـم يـحـظـى
بـهـا أحـد مـن الـفـنـانـيـن مـن قـبـلـه، لا عـلـى
الـمـسـتـوى الـجـمـاهـيـري الـمـحـلـي و حـسـب، و إنـمـا
عـلـى الـصـعـيـد الـحـكـومـي الـرسـمـي، و عـلـى مـسـتـوى دول
الـخـلـيـج الـعـربـيـة أيـضـاً.
و نـظـراً لـتـصـدر
أسـرة هـواة الـفـن الـتـي تـحـول أسـمـهـا فـيـمـا بـعـد إلـى
أسـرة فـنـانـي الـبـحـريـن، الـنـشـاط و الـوسـط الـثـقـافـي
و الـفـنـي فـي مـطـلـع الـسـتـيـنـيـات مـن الـقـرن
الـعـشـريـن، نـظـراً لـتـنوع وتـعـدد نشاطـاتـهـا الـفـنـيـة
كـالـمـسـرح و الـمـوسـيـقـى و الـغـنـاء، اسـتـطـاعـت هـذه
الـمـؤسـسـة الأهـلـيـة الـمـسـتـقـلـة و الـوحـيـدة مـن
نـوعـهـا فـي الـبـحـريـن و دول الـخـلـيـج آنـذاك، مـن
اسـتـقـطـاب مـجـمـوعـة مـهـمـة مـن الـفـنـانـيـن و الـهـواة،
مـن مـخـتـلـف مـنـاطـق الـبـحـريـن، تـشـكـلـت مـن بـيـنـهـا
مـجـمـوعـة مُـتـمـيـزة مـن الـفـنـانـيـن الـتـشـكـيـلـيـيـن،
لـتـكـون مـن تـلاحـمـهـا أول نـواة صـلـبـة مـن
الـتـشـكـيـلـيـيـن الـمـحـلـيـيـن. و قـد كـان مـن أهـم
أعـضـاء هـذه الـطـلـيـعـة مـن الـفـنـانـيـن
الـتـشـكـيـلـيـيـن، هـم كـل مـن: عـزيـز زباري و الـمـرحـوم
راشـد سـوار و إسـحـاق
خـنـجـي
و المـرحـوم حـسـيـن الـسـنـي و عـبـد الـكـريـم الـعـريـض و
راشـد الـعـريـفـي و نـاصـر الـيـوسـف و أسـامـة صـالـح و
عـبـد الـكـريـم الـبـوسـطـة و أحـمـد بـاقـر.
و قـد أقـامـت هـذه
الـطـلـيـعـة مـن الـتـشـكـيـلـيـيـن مـنـذ الـسـتـيـنـيـات
مـن الـقـرن الـعـشـريـن، الـعـديـد مـن الـمـعـارض
الـجـمـاعـيـة الـنـاجـحـة، كـانـت أحـيـانـاً مُـرافـقـة
بـعـروض مـسرحـيـة و غـنائيـة و مـوسـيـقـيـة ، فـي أمـاكـن
مـخـتـلـفـة مـن مـمـلـكـة الـبـحـريـن، و أقـامـة أيـضـاً و
لأول مـرة خـارج الـبـحـريـن مـعـرض لـهـا بـدولـة الـكـويـت
الـشـقـيـقـة.
و فـي الـبـدايـة،
كـان لاقـتـنـاء الـجـالـيـات الأجـنـبـيـة الـمـتـواجـدة فـي
الـبـحـريـن و دول الـخـلـيـج الـعـربـيـة، و إقـبـالـهـم
عـلـى شـراء الـلـوحـات الـتـي تـذكرهـم عـلى مـا يـبـدوا
بـمـعـالـم الـبـحـريـن و الـخـلـيـج الـتـقـلـيـديـة، دور
مُـشـجـع عـلـى اسـتـمـرار الـعـديـد مـن الـفـنـانـيـن
الـمـحـلـيـيـن فـي الإنـتـاج، و تـوجـهـم بـاسـتـمـرار إلـى
نـقـل و تـصـويـر مـشـاهـد الـحـيـاة الـيـومـيـة و
الـطـبـيـعـة و مـعـالـم الـبـيـئـة الـمـحـلـيـة
الـتـقـلـيـديـة، و خـاصـة تـلـك الآيـلـة للانـقـراض. ألا أن
ذلـك و عـلـى الـرغـم مـن كـل إيـجـابـيـاتـه و عـوائـده
الـمـالـيـة الـمـشـجـعـة لـلـفـنـانـيـن ، قـد أدى إلـى
انـشـغـال الـعـديـد مـنـهـم بـتـكـرار أنـفـسـهـم ، و
تـصـويـر مـا كـان مـنـاسـبـاً لـذوق الـمـسـتـهـلـك
الأجـنـبي، فـنـتـج عـند الـبـعـض عـزوف عـن الـبـحـث و
تـنـمـيـة الـقـدرات الإبـداعـيـة، أو الـتـحـقـق بـأقـل
تـقـديـر مـن الـنـفـس أو تـحـقـيـق الـهـوية.
فـكـانـت أول
الأعـمـال الـمـنـتـجـة مـتـشـابـهـة، و مـمـا كـان يـزيـد
الأمـر تـشـابـهـاً و تـقـاربـاً، هـو قـلـة عـدد
الـفـنـانـيـن
الـمـحـلـيـيـن نـسـبـيـاً، و عـمـلـهـم كـمـجـمـوعـة
مـتـقـاربـة حـمـيـمـة فـي عـلاقـاتـهـا بـبـعـضـهـا الـبـعـض،
نـظـراً لـتـشـابـه و تـقـارب ظـروفـهـم و مـسـتـويـاتـهـم
الـمـعـيـشـيـة و الـتـعـلـيـمـيـة، و صـغـر حـجـم حـدود
دائـرة تـحـركـهـم و احـتـكـاكـهـم بـالآخـريـن.
لـقـد كـان مـفـهـوم
الـفـن لـدى الـفـنـانـيـن الـمـحـلـيـيـن الأوائـل، هـو نـفـس
الـمـفـهـوم الـذي سـاد الـمـنـاهــج الـدراسـيـة لإدارة
مـعـارف حـكـومـة الـبـحـريـن آنـذاك، و هـو أيـضـاً نـفـس
الـمـفـهـوم الـذي كـان قـد عـمّ أوروبـا، و مـنـبـعـه
إيـطـالـيـا الـقـرن الـسـادس عـشـر، و الـقـائـل بـأن الـفـن
هـو عـمـل ناتـج عـن جـهد معـرفـي ذهـنـي بـالـدرجـة الأولـى،
مـثـلـه فـي ذلـك مـثـل عـلـم الـريـاضـيـات و الـهـنـدسـة و
مـا إلـى ذلـك، و لا يـمـكـن اعـتـبـاره عـلـى أنـه حـرفـة
كـبـاقـي الـحـرف و الـصـنـاعـات الـيـدويـة الـتـي لا
يـتـطـلـب إنـتـاجـهـا إلا الـجـهـد الـعـضـلـي.
فبدون أية خبرة
سابقة، عـمل الفـنـان الـمـحـلـي، و ذلـك عـن طـريـق
الـتـجـربـة و الخـطأ و الـمـمـارسـة العـمـليـة
الـمُـسـتـمـرة، عـلـى اكـتـشـاف مـجـلات الـفـنـون
الـتـشـكـيـلـيـة، و ذلـك بمـحـاكـاة الـنمـوذج الأوروبـي
الـتـقـلـيـدي، الـكـلاسـيـكـي بـوجـه خـاص ، فـكـانـت
الـنـتـيـجـة أعجـاباً و شـغـفـاً متـزايـداً بـفـنـون
الـغـرب، و تـقـدمـاً كـان لا بـأس بـه عـلـى صـعـيـد
الـتـقـنـيـة.
و جـاءت أول
الأعـمـال الـمُـنـتـجـة مـحـلـيـاً، تـحـمـلُ فـي إطـارهـا و
مـضـمـونـهـا مـلامـح مُطابقـة لأعـمال مـشاهـير الفن
الأوروبي، إذ امتازت بصـياغـات تشـكيـليـة مـتـقـدمـة و
موزونة، و ذلـك مـن حـيـث الـمـظـهـر الـشـكـلـي الـعـام،
كـالاهـتـمـام بـمـصـادر الـضـوء و الـتـكـويـن و الأبعـاد و
الـنـسب و الـمنـظـور الـمـنـطـقـي الأوروبـي، و بـطـرق مـزج
الألـوان و دهـن الـلـوحـة.
و لـعـل تـحـرر
الـمـدرسـة الانـطـبـاعـيـة الأوروبـيـة مـن الـقـيـود و
الـصـرامـة الأكـاديـمـيـة، و الـقـواعـد الـكـلاسـيـكـيـة
الـدقـيـقـة، و لـجـوئـهـا إلـى لـمـسـات الـفـرشـاة
الـعـريـضـة الـحـرة، و تـبـسـيـط و تـسـطـيـح الأشـكـال و
الـكـتـل و الـتـغـاضـي عـن الـتـفـاصـيـل الـدقـيـقـة، بـل و
غـمـر الـلـوحـة بـالـضـوء و الألـوان الـفـرحـة الـبـهـيـة،
حـبـب و سـهـل لـجـوء مُـعـظـم الـفـنـانـيـن الـمـحـلـيـيـن،
إلـى الأسـلـوب الانـطـبـاعـي الـجـمـيـل و الـمـعـروف، و لا
لـبـس عـنـدنـا فـي ذلـك ، لأن حـال الـفـنـان الـمـحـلـي
آنـذاك كـان مـشـابـهـاً لأحـوال مُـعـظـم الـفـنـانـيـن
الـعـرب، خـاصـة إذا مـا عـرفـنـا بـأن هـذا الأسـلـوب
الانـطـبـاعـي الأوروبـي، قـد كـان هـو الـنـمـط الأكـثـر
شـيـوعـاً فـي
الـعـالـم
آنـذاك، و أن مـُـعـظـم الـمـدرسـيـن الـمـشـتـغـلـيـن فـي
تـعـلـيـم مـادة الـفـنـون الـجـمـيـلـة أو الـرسـم و
الأشـغـال الـيـدويـة فـي مـدارس الـبـحـريـن ، قـد كـانـوا
مـن الـمـدرسـيـن الـعـرب الـمُـسـتـقـدمـيـن، و مـن الـذيـن
تـتـلـمـذوا فـي بـلـدانـهـم عـلـى نـفـس الـنـمـط الـدراسـي
الـمـنـتـهـج لـنـفـس الـرؤى الأوروبـيـة فـي تـعـلـيـم
الـفـنـون.
ألا أن انـتـمـاء الـفـنـان الـمـحـلـي
الـعـضـوي بـبـيـئـتـه و تـاريـخـه و تـراثـه، أعـاده و
بـالـتـقـنـيـة الـتـشـكـيـلـيـة و الـمـُعـطـيـات
الـجـمـالـيـة الأوروبـيـة نـفـسـهـا الـتـي تـعـلـمـهـا، إلـى
تصويـر ما قد اعتـادت أن تراه عـيـنـاه مـن حـولـه، و ما قـد
شـبت عـلـيـه أحـاسـيـسـه تشتـهـيـه، أعـادتـه إلـى رسـم و
تـصـويـر بـيـئـتـه الـمـحـلـيـة الـتـي كـان يـعـيـشـهـا
عـمـيـقـاً فـي وجـدانـه.
ألا
أن ذلـك لـم يـدم طـويـلاً ، حـتـى خـرج بـعـض أفـراد هـذه
الـطـلـيـعـة مـن الـفـنانيـن المحـليـيـن إلى الـدراسة و
الـتـخـصص الدقـيـق في الـفـنـون الجـميلة في الخـارج، و كان
أول هؤلاء، هم كل من: الـفنان المرحـوم أحـمد الـسني الـذي
أرسـل إلـى دورة قـصـيـرة إلـى الـمـمـلـكـة الـمـتحـدة، و
الـفـنان عـبـد الله الـمحـرقـي الـذي تـخـصـص فـي هـنـدسـة
الـديـكـور مـن كـل مـن مـصـر ثـم سـوريـة، و الـفـنـان
حـسـيـن الـسـنـي الـذي درس بـمـعـهـد الـفـنـون الجـمـيـلـة
بـبـغـداد، ثـم الـفـنـان أحـمـد بـاقـر الذي ذهـب فـي نهـايـة
الـسـتـيـنـيـات من الـقـرن الـعـشـريـ ، إلـى فـرنـسـا و
بـريـطـانـيـا لـلـدراسـة حـتـى نـال فـي نـهـايـة الـمـطـاف
درجـة الـدكـتـوراه فـي الـفـنـون الـجـمـيـلـة و عـلـومـهـا و
تـقـنـيـاتـهـا مـن جـامعـة الـسوربون.
و عـنـدمـا قـل
نـشـاط أسـرة هـواة الـفـن و ضـعـف دورهـا و وهـن ، ظـهـر دور
جـمـعـيـات جـديـدة تـخـصـصـت فـي مـجـالات الـفـنـون
الـتـشـكـيـلـيـة، مـثـل جـمـعـيـة الـفـن الـمـعـاصـر الـتـي
تـأسـسـت فـي عـام 1970
م، إثـر مـبـادرة مـن الـسـيـدة فـلـنـون و شـوقـي الـزيـاني
عـندمـا أقـيـم أول مـعـرض تـأسـيـسـي لـهـذه الـجـمـعـيـة
بـفـنـدق الـخــلـيـج بـالـمـنـامـة، و شـارك فـيـه كـل مـن:
عـبـد الله الـمـحـرقـي و الـمـرحـوم حـسـيـن الـسـنـي و
اسـحـاق خـنـجـي و راشـد الـعـريـفـي و عـبـد الـكـريـم
الـعـريـض و يـوسـف زعـل و شـوقـي الـزيـانـي و أحـمـد
نـشـابـه و أحـمـد الـخـاجـة و أحـمـد أمـيـن و أحـمـد
الـعـريـفـي و مـنـصـور رضـي و الـشـيـخ راشـد بـن خـلـيـفـة
آل خـلـيـفـة و الـشـيـخ سـلـمـان بـن مـحـمـد آل خـلـيـفـة.
و مـنـذ اسـتـقـلال
دولـة الـبـحـريـن فـي عـام
1971 م، دخـلـت الـثـقـافـة و
الـفـنـون حـقـبـة جـديـدة تـوفـرت فـيـهـا
لـلـفـن
و الـفـنـانـيـن مـظـلـة مـن الـرعـايـة و الـدعـم الـحـكـومـي
الـرسـمـي، الـذي لـم يـتـوفـر مـثـلـه لـلـفـنـون و
الـثـقـافـة فـي الـسـابـق، فـبـعـد أن أكـد دسـتـور الـدولـة
الـحـديـثـة الـصـادر فـي عـام
1973 م عـلـى هـويـة الـبـحـريـن
الـعـربـيـة الإسـلامـيـة فـي الـمـادة الأولـى مـن الـبـاب
الأول، نـصـت الـمـادة الـسـابـعـة مـن الـجـزء ألـف عـلـى
(رعـايـة الـدولـة لـلـعـلـوم و الآداب و الـفـنـون، و
تـشـجـيـع الـبـحـث الـعـلمـي، كـما تـكـفـل الـخـدمات
الـتـعـلـيـمـيـة و الـثـقـافـيـة لـلمـواطـنـيـن).
و من أبـرز ظـواهر
هـذا الاهـتـمام الـرسـمي الحـكومـي بـالـثـقـافـة و الـفـنون،
قـيـام الـدولـة بـإنـشـاء الـهـيـئـات الـرسـمـيـة،
الـمـعـنـيـة بـتـنـظـيـم شـؤون الـثـقـافـة و الـفـنـون و
الآداب و إدارتـهـا، و اعـتـمـاد الـمـوازنـات الـمـالـيـة و
الـجـوائـز الـقـيـمـة لـهـا و رعـاية الحـرفـيـيـن و الحـرف
الـيـدويـة و الـصـنـاعـات الـتـقـلـيـديـة، و إنـشـاء
الـمـتـاحـف و تـرمـيـم الـمـعـالـم الـتـراثـيـة و الأثـريـة،
ثـم أحـتـفـاء الـدولـة مُـمـثـلـة فـي مـقـام حـضـرة صـاحـب
الـسـمـو الـشـيـخ خـلـيـفـة بـن سـلـمـان آل خـلـيـفـة رئـيـس
مـجـلـس الـوزراء الـمـوقـر ، بـالـفـن و الـفـنـان، و ذلـك
بـرعـايـة سـمـوه الـشـخـصـيـة لـلمعـرض السنوي لـلـفـنـانـيـن
الـتـشـكـيـلـيـيـن الـبحـريـنـيـيـن، الـذي اعـتـادت
تـنـظـيـمـه إدارة الـثـقـافـة و الـفـنـون مـنـذ عـام 1972 م.
و لـمـا كـان هـذا
الـمـعـرض هـو الـمـعـرض الـسـنـوي الـعـام الـوحـيـد فـي
الـبـحـريـن، و الاشـتـراك فـيـه خـاضـع لـشـروط و مـواصـفـات
مـعـيـنـة و تـقـويـم لـجـنـة تـحـكـيـم، مـمـا يـحـول
أحـيـانـاً دون ظـهـور بـعـض الأعـمال إلـى الجـمـهـور، ارتـأت
مـجـمـوعـة مـن الـفـنـانـيـن أعـضـاء فـي جـمـعـيـة الـفـن
الـمـعـاصـر، و مـن أجـل تـفـعـيـل دور الـجـمـعـيـة، الـتـي
لـم تـقـم بـأي نـشـاط يـذكـر مـنـذ مـعـرضـهـا الـتـأسـيـسـي
الأول مـنـذ أكـثـر مـن ثـلاث سـنـوات و اسـتـقـطـاب الأعـضـاء
الـجـدد، ارتأت تـلـك الـمـجـمـوعـة فـي عـام 1974 م و
بـمـبـادرة مـن أحـمـد بـاقـر الـذي كـان أمـيـن سـر
الـجـمـعـيـة آنـذاك، تـأسـيـس مـعـرض جـمـاعـي سـنـوي، مـواز
لـلـمـعـرض الـسـنـوي الـعـام الـرسـمـي ، و ذلـك عـلـى غـرار
فـكـرة صـالـون الـفـنـانـيـن الـمـرفـوضـيـن الـفـرنـسـي، و
أطـلـق عـلـيـه مـعـرض الـربـيـع، و شـارك فـي هـذا الـمـعـرض
الـذي أقـيـم بـنـادي الـعـروبـة بـالـمـنـامـة كـل مـن:
أحـمـد بـاقـر و إبـراهـيـم حـسـن إبـراهـيـم و أحـمـد
الـخـاجـة و أحـمـد الـعـريـفـي و أحـمـد الـمـنـصـوري و
إسـحـاق خـنـجـي و إسـمـاعـيـل نـيـروز و أصـغـر إسـمـاعـيـل و
حـامـد عـبـيـد و راشـد الـعـريـفـي و صـالـح بـوعـيـنـيـن و
صـفـيـة سـوار و كـامـل بـركـات و
عـلـي
كـاظـم و عـبـد الإمـام بـرنـي و عـبـد الـرسـول غـلـوم و
عـبـاس المحـروس و عباس الموسوي و عباس سلـمان حـسن و عـبـد
الـرحـيـم شـريـف و عـبـد الـرحـمـن جـابـر و عـبـد الـكـريـم
الـبـوسـطـة و عـبد الكريـم العـريض و الـمرحـوم عـبد
الـلـطـيـف مـفـيـز و الـمرحـوم عـبـد المـنعـم الـبـوسـطـة و
عـدنـان إبـراهـيـم و مـحـسـن الـتـيـتـون و مـنـصـور مـحـمـد
رضي و ناصـر الـيوسـف و نجـمـه محـسـني و يـوسـف هـزيـم و
المرحـوم حـسـيـن الـسني.